الصفحة 10 من 44

الدرْسُ السادِسُ

(1) في أمرٍ مَرِيجٍ يعني: في أمرٍِ مُخْتَلِفٍ مُضْطَرِبٍ. لَمَّا خَالَفُوا الكتابَ والسنَّةَ وما عليه سلفُ الأمَّةِ، اضْطَرَبُوا واخْتَلَفُوا وتَنَوَّعَتْ آرَاؤُهم، وهكذا أهلُ الباطلِ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} يعني: مُخْتَلِطٍ مُضْطَرِبٍ، عَمِيَ عليهم فيه الحقُّ؛ بسببِ إعراضِهم عن الأدِلَّةِ الشرعيَّةِ وَقَعُوا في الاختلافِ والاضْطِرَابِ.

يعني: اضْطَرَبَتْ عُقُولُهم، واضْطَرَبَتْ أفهامُهم لَمَّا أعْرَضُوا عن الحقِّ، فكلُّ طائفةٍ تَزْعُمُ أنَّ العقلَ أحالَ الحقَّ الذي فيه أنْكَرَتْهُ، فصَارُوا بهذا ضالِّينَ مُضِلِّينَ مُجْرِمِينَ؛ لأنَّهم عَدَلُوا عن الحقِّ، وعن الصراطِ المستقيمِ إلى آرائِهم وإلى عُقُولِهم، وبأيِّ عقلٍ يُوزَنُ الكتابُ والسنَّةُ؟! فإذًا العقولُ مُضْطَرِبَةٌ ومُخْتَلِفَةٌ، فيها السَّقِيمُ وفيها الصحيحُ، وفيها المُخْتَلِطُ، ليسَتْ مِيزَانًا، وإنَّما المِيزانُ ما قالَه اللَّهُ ورسولُه، فمَن حَادَ عن هذا المِيزانِ اضْطَرَبَ وَوَقَعَ في الفسادِ.

والمعنى: أنَّ جَدَلَهم لا يَنْتَهِي، هذا يُجَادِلُ بكذا، وهذا يُجَادِلُ بكذا، وهذا يُجَادِلُ بكذا ممَّا يُمْلِي عليهم الشيطانُ، فليسَ لأحدٍ أنْ يَمِيلَ إلى هؤلاءِ ويَدَعَ ما جاءَ به الرسولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممَّا تَلَقَّاهُ عن اللَّهِ، بواسطةِ جَبْرَائِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، بل يَجِبُ التمسُّكُ بما جاءَ عن اللَّهِ ورسولِه، وما اسْتَقَرَّتْ عليه الأسانيدُ الصحيحةُ، وما دَلَّ عليه كتابُ اللَّهِ.

ولا يُلْتَفَتْ إلى جدالِ مَن جادَلَ أو إلى تأويلِ مَن أَوَّلَ، وإلى خُصُومَةِ مَن خَاصَمَ، ويُرَدُّ عليهم بالكتابِ والسنَّةِ، وتَزْيِيفِ أقوالِهم، ويُنهى عن سَمَاعِها ويُبَيَّنُ باطِلُهم حتى يَحْذَرَهُمُ النَّاسُ.

ولهذا قالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: (حُكْمِي في أهلِ الكلامِ أنْ يُضْرَبُوا بالجَرِيدِ والنِّعَالِ، وأنْ يُطَافَ بهم في العشائِرِ والقبائِلِ، وأنْ يُقَالَ: هذا جَزَاءُ مَن خَرَجَ عن الكتابِ والسنَّةِ، وحَكَّمَ العَقْلَ) . أو قالَ: (وأَخَذَ بالكلامِ) .

والمقصودُ مِن هذا كلِّه، أنَّ جميعَ المُنْحَرِفِينَ عن الكتابِ والسنَّةِ وَقَعُوا في الأمرِ المَرِيجِ، فالذين أنْكَرُوا الصفاتِ اخْتَلَفُوا واضْطَرَبُوا، على أيِّ شيءٍ أحَالُوا هذه الصفاتِ؟ وعلى أيِّ عَقْلٍ؟ وماذا يُثْبَتُ؟ وماذا يُنْفَى؟ وهكذا الذين أنْكَرُوا المعَادَ والجنَّةَ والنَّارَ مِن الفلاسفةِ وغيرِهم اضْطَرَبُوا، واخْتَلَفُوا، فهذا يُكَذِّبُ هذا، وهذا يُزَيِّفُ هذا، وهذا يُثْبِتُ ما نَفَاهُ هذا، وهذا يَنْفِي ما أَثْبَتَه هذا، فصَارُوا في أمرٍ مَرِيجٍ، أمَّا أهلُ الحقِّ الذين تَلَقَّوْا دِينَهم عن كتابِ اللَّهِ، وعن سنَّةِ رسولِه عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، فهم الذين وَفَّقَهُمُ اللَّهُ للثَّبَاتِ والاسْتِقَامَةِ، حَتَّى صَارُوا على كَلِمَةٍ واحدةٍ، وعلى طريقٍ واحدٍ، تَلَقَّوْه عن نَبِيِّهم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن كتابِ رَبِّهم، فهم أهلُ السعادةِ في الدنيا والآخِرَةِ.

وهذا لا شَكَّ فيه؛ لأنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالهُدَى ودِينِ الحقِّ، والهُدَى: هو العلمُ النافعُ والأخبارُ الصادقةُ. ودينُ الحقِّ: هو الأعمالُ الصالحةُ والشرائعُ المستقيمةُ، فبَعَثَه اللَّهُ بالعلمِ والعملِ، بَعَثَه اللَّهُ بالأخبارِ عمَّا مَضَى مِن الأمورِ العظيمةِ، وبَعَثَه اللَّهُ بأعمالٍ شرعِيَّةٍ وشَرَائِعَ عادِلَةٍ يَسِيرُ عليها العِبَادُ، كما بَعَثَه بالإيمانِ بالمَبْدَأِ والمَعَادِ، وهو الإيمانُ باللَّهِ واليومِ الآخِرِ.

فالإيمانُ باللَّهِ: يَشْمَلُ الإيمانَ بالمبدأِ، وهو الإيمانُ بأنَّ اللَّهَ هو ربُّ الجميعِ وإلهُ الجميعِ، وهو المعبودُ بالحقِّ سبحانه وتعالى،، والإيمانُ باليومِ الآخِرِ: يَشْمَلُ الإيمانَ بالمعَادِ بالآخرةِ وما يكونُ فيها من أهوالٍ في يومِ القيامةِ، وما يُنْتَهَى بعدَ ذلك إليه مِن أمرِ الجنَّةِ والنَّارِ.

فجَمَعَ بينَ هذا وهذا؛ بينَ المبدأِ والمعادِ؛ الإيمانِ باللَّهِ وما شَرَعَ لهم مِن الدِّينِ، وما أخْبَرَ به عن مآلِ الماضِينَ، واليومِ الآخرِ، وما يكونُ فيه مِن الأمورِ العظيمةِ، التي تَنْتَهِي بعدَ ذلك بدخولِ أهلِ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلِ النَّارِ النَّارَ، هذا كلُّه جاءَ به عَلَيْهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت