الصفحة 24 من 44

الدرسُ الثالثَ عَشَرَ

(1) وهذا الذي قالَه الحارِثُ المُحَاسِبِيُّ كلامٌ عظيمٌ، وهو موافقٌ لما عليه أهلُ السنَّةِ والجماعةِ؛ فإنَّ أهلَ السنَّةِ أَجْمَعُوا على أنَّ الأخبارَ لا تُنْسَخُ، وأنَّ ما أخْبَرَ اللَّهُ به عن نفسِه وأخبَرَ به عن الجنَّةِ والنَّارِ وما كانَ وما يكونُ , كلُّه مُحْكَمٌ، كلُّه لا يَعْتَرِيه النسْخُ، بل هو مُحْكَمٌ ثابتٌ، لا شَكَّ فيه ولا رَيْبَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُخْبِرَ أنَّه سبحانه هو الرحمنُ، وهو الرحيمُ، وهو السميعُ، وهو البَصِيرُ، وأنَّ الجنَّةَ كذا، والنَّارَ كذا، ثم يأتي بعدَ ذلكَ ما يَنْسَخُ ذلك، هذا مستحيلٌ أبدًا، بل هو الصادقُ في خَبَرِه، وخَبَرُه أصْدَقُ خَبَرٍ؛ {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} .

فهي أشياءُ ثابتةٌ، وقدْ أَخْبَرَ عن نفسِه بأسمائِهِ وصفاتِهِ، وهي ثابتةٌ له سبحانه؛ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} . ولا يجوزُ لعاقلٍ أن يَتَأَوَّلَهَا على غيرِ تأويلِها، وما جاءَ في قولِه سبحانه وتعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} ، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} ، هذا على معناه، وهو أنَّه سبحانه معَ عُلُوِّهِ، ومعَ فَوْقِيَّتِه، ومعَ كَوْنِهِ في العُلُوِّ فوقَ العرشِ، هو معَ عِبَادِه بعلمِه واطِّلاعِه ورُؤْيَتِه لهم، وقُرْبِهِ مِنهم سبحانه بعلمِه واطِّلاعِه جلَّ وعلا، ولا يَلْزَمُ مِن هذا نَسْخُ تلكَ الأخبارِ التي أَخْبَرَ بها عن نفسِه، أنَّه فوقَ العرشِ وأنَّه فوقَ جميعِ الخلقِ، وأنَّ الأعمالَ تَعْرُجُ إليه، والملائكةَ تَعْرُجُ إليه، كلُّه حقٌّ، وهو في العلوِّ وفوقَ السماواتِ , معَ هذا هو معَ عِبادِه بعلمِه واطِّلاعِه ورُؤْيَتِه لأحوالِهم، وكذلكَ إذا أخْبَرَ أنَّه يَعْلَمُ كذا أو لِنَعْلَمَ كذا، فالمعنى أي: لِنَعْلَمَه موجودًا بعدَما عَلِمَه في القَدَرِ السابِقِ سبحانه وتعالى.

وهو يَعْلَمُ ما كانَ قبلَ أنْ يُوجَدَ، ويَعْلَمُه بعدَ أنْ يُوجَدَ، ويَرَاهُ حِينَ أنْ يُوجَدَ كما هو معلومٌ له سبحانه وتعالى في القَدَرِ السابِقِ، فلا تَنَافِيَ بينَ هذا وهذا، وهكذا ما أَشْبَهَ ذلك. وقولُه: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} معناهُ إثباتُ ما أَخْبَرَ به، لكن على وجهٍ لا يُشَابِهُ فيه خَلْقَه سُبحانه وتعالى، بل له الكمالُ المُطْلَقُ مِن كلِّ الوجوهِ.

(2) مقصودُ المُحَاسِبِيِّ، رَحِمَهُ اللَّهُ، ما قالَه أهلُ السنَّةِ، أنَّ اللَّهَ جلَّ وعلا فوقَ العرشِ، فوقَ جميعِ الخلقِ، وأنَّ عِلْمَه سبحانه وتعالى أَزَلِيٌّ، لم يَزَلْ عالِمًا بأحوالِ عبادِه، بَصِيرًا بهم، لطيفًا بهم جلَّ وعلا، وأنَّ قولَه سبحانه وتعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ} ، {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ، وما أشْبَهَها- معناه الإحاطةُ بهم، واطِّلاَعُه على أحوالِهم، وأنَّه لا تَخْفَى عليه خافِيَةٌ سبحانه وتعالى، وليسَ معناه أنَّه معَهم في الأرضِ وأنَّه حالٌّ في الأرضِ وأنه في كلِّ مكانٍ، كما يقولُه أهلُ البِدَعِ والضلالِ مِن الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وأشباهِهِم، بل هذا مِن أكفرِ الكفرِ وأبطلِ الباطلِ، واللَّهُ سبحانه فوقَ العرشِ، فوقَ جميعِ الخلقِ، وعِلْمُه في كلِّ مكانٍ.

وهكذا قولُه سبحانه وتعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} يعني: في العلوِّ، أي: فوقَ السماواتِ، فوقَ العرشِ، كما قالَ جلَّ وعلا: {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ} يعني: على الأرضِ، {يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} يعني: على الأرضِ، {لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} يعني: على الجُذُوعِ، فوقَها.

فقولُه: {فِي السَّمَاءِ} يعني: على السماءِ، إذا أُرِيدَ به السماءُ المبنِيَّةُ فالمرادُ عليها وفوقَها، وإذا أُريدَ به في السماءِ فالمعنى أنه في العلوِّ سبحانه وتعالى، ولهذا قالَ: {تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ} ، {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} ، {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} إلى غيرِ هذا مِمَّا يَدُلُّ على علوِّه فوقَ جميعِ خلقِه سبحانه وتعالى، وهكذا لم يَزَلْ عَالِمًا بصيرًا بأحوالِ عِبادِه.

قولُه جلَّ وعلا: {لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} حتى نَعْلَمَ هذا خارجًا موجودًا، وإلاَّ فعِلْمُه بهم قبلَ أنْ يُوجَدُوا، قد كَتَبَ ما يكونُ، وقد عَلِمَ ما يكونُ سبحانه وتعالى قبلَ أنْ يُوجَدُوا، فهو قد عَلِمَ أحوالَهم قبلَ وُجُودِهِم، وعَلِمَ أعمالَهم قبلَ وُجُودِها، يَعْلَمُ كلَّ شيءٍ قبلَ وجودِ الخلقِ سبحانه وتعالى، قد سَبَقَ عِلْمُه كلَّ شيءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت