فهرس الكتاب
الدرسُ العِشْرُونَ
(1) والمعنى في هذا يعني: لا تَظُنَّ أنَّ مَن ذَكَرْنَا عنهم أنَّهم مُوَافِقُونَ لنا في كلِّ شيءٍ، لكن نَنْقُلُ عنهم ما أصابوا فيه الحقَّ، وما وَافَقُوا فيه الحقَّ، وإذا وُجِدَ لفلانٍ أو فلانٍ أو فلانٍ أغلاطٌ فهي تُرَدُّ عليهم كما تُرَدُّ على غيرِهم.
فيَنْبَغِي لمَن نَقَلَ عن الشخصِ كلامًا حقًّا أنْ يَعْرِفَ أنَّه إذا قالَ قولًا آخرَ باطلًا فالباطلُ يُرَدُّ، يُقْبَلُ الحقُّ ممَّن جاءَ به، ويُرَدُّ الباطلُ على مَن جاءَ به. هذا هو المقصودُ، سواءٌ كانَ كَبيرًا، أو مُتَوَسِّطًا، أو صغيرًا، ما قالَه مِن الحقِّ قُبِلَ على العينِ والرأسِ؛ لأنَّه حقٌّ، وما قالَه مِن الباطلِ رُدَّ؛ لأنَّه باطلٌ، وإنْ كانَ مَن قالَه عظيمًا، فالحقُّ فوقَ ذلك وأعْظَمُ.
(2) يعني: كلُّ شيءٍ بحَسَبِه، فالقمرُ معَنا، أي: نورُ القمرِ. والنَّجْمُ معَنا نَرَاه، أي: نَهْتَدِي به. وهكذا: {واللَّهُ مَعَكُمْ} بعِلْمِه واطِّلاَعِهِ علينا ورُؤْيَتِه لنا، وأنَّه لا يَخْفَى عليه مِنَّا خافِيَةٌ سبحانه وتعالى، وهو فوقَ العرشِ، هكذا فلانةُ معَ فلانٍ، وإنْ كانَتْ في بلادٍ وهو في بلادٍ، يعني: زوجةً له في عِصْمَتِه، وإن كانتْ في الشرقِ وهو في الغربِ، فيقالُ: فلانةُ معَ فلانٍ. يعني: زَوْجَةً له، وإن كانَتْ ليسَتْ عِنْدَه، وإنْ كانَتْ بَعيدةً عنه، كأنْ يُقَالَ: فلانٌ معَ مُعَاوِيَةَ. وإنْ كانَ في أقصى الدنيا. و: فلانٌ معَ عليٍّ. وإنْ كانَ في أقصَى الدنيا، أي: معَه في النُّصْرَةِ والحمايةِ والتأييدِ، وهكذا ما أَشْبَهَ ذلك، فلانٌ معَ الخوارِجِ. وإنْ كانَ بعيدًا عنهم، فلانٌ معَ الرافِضَةِ. وإن كانَ بعيدًا عنهم، يعني: في عقيدتِه وفي حمايتِه لهم، وفي نَصْرِه لهم ... إلى غيرِ ذلك، كلُّ مَقَامٍ له ما يُنَاسِبُه.
(3) والمعنى: رُبُوبِيَّةٌ خاصَّةٌ وعُبُودِيَّةٌ خاصَّةٌ، ورُبُوبِيَّةٌ عامَّةٌ وعُبُودِيَّةٌ عامَّةٌ، وهذا واضحُ المعنى؛ فإنَّ الرُّبُوبِيَّةَ بمعنى التربِيَّةِ لخواصِّ العبادِ مِن الرسلِ والأولياءِ وعِبَادِ اللَّهِ الصالحينَ؛ غيرُ الربوبيَّةِ العامَّةِ لِبَقِيَّةِ البشَرِ، وهكذا فالعبوديَّةُ الخاصَّةُ للأنبياءِ والرسلِ وعِبادِ اللَّهِ الصالحينَ؛ غيرُ العبوديَّةِ العامَّةِ، وهذا كلُّه واضحٌ في الكتابِ والسنَّةِ، وفي كلامِ الناسِ أيضًا، فهكذا المَعِيَّةُ تَنَوُّعُها أمرٌ معلومٌ.
(4) المُتَوَاطِئَةُ هي التي تَشْتَرِكُ في أصلِ المعنى، بخلافِ المُشْتَرَكَةِ فإنَّها لا تَتَّفِقُ في المعنى، بل تُطْلَقُ على كلماتٍ لها معانٍ كثيرةٌ، فيُقالُ لها: أسماءٌ مُشْتَرَكَةٌ. وأما المُتَوَاطِئَةُ فهي التي تَتَّحِدُ في أصلِ المعنى وتَتَفَاوَتُ في معانٍ كثيرةٍ؛ لأنَّها تَرِدُ في كلِّ مكانٍ بما يُنَاسِبُه.
وهكذا المَعِيَّةُ معَ العِبادِ، معيةُ اللَّهِ معَ عِبَادِه، معيةُ الرجلِ معَ زوجتِه، معيَّتُه معَ وَلِيِّ الأمرِ كلمةٌ، وإنْ كانَ أصلُ المعنى نوعَ المقارَنَةِ، بخلافِ الكَلِمَاتِ التي تُطْلَقُ على أشياءَ كثيرةٍ مُشْتَرَكَةٍ لا تَتَّحِدُ في معنًى.
(5) والمعنى في هذا أنَّ جميعَ الرواياتِ لا تُنَافِي العُلُوَّ، وهي: (( إِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِ الْمُصَلِّي ) )، {لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} ، وما أشْبَهَ ذلك، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} كلُّه لا يُنَافِي العُلُوَّ، وهو فوقَ العرشِ، فوقَ جميعِ الخلقِ، وهو معَ عِبَادِه بعلمِه واطِّلاعِه، وهو قِبَلُ وُجُوهِ المُصَلِّينَ؛ لأنَّهم يَعْبُدُونه ويَقْصِدُونَه ويُقْبِلُونَ عليه سبحانه وتعالى، فهو قِبَلُ وُجُوهِهِم، وإنْ كانَ فوقَ العرشِ، وفوقَ جميعِ خلقِه سبحانه، لا تَنَافِيَ بينَ هذه الصفاتِ وبينَ علوِّهِ واستوائِه على عرشِه جلَّ وعلا؛ لأنَّه لا يُقاسُ بخلقِه، ولا يُشَبَّهُ بخلقِه جلَّ وعلا.
(6) وهذا مثالٌ واضحٌ، والأمثلةُ كثيرةٌ: القمرُ والشمسُ والنجومُ، يَرَاها النَّاسُ، كلٌّ يَرَاها في مكانِه، وفي بَيْتِه، وفي سَطْحِه، وفي جَبَلِه، وفي مَرْعَاهُ، وفي كلِّ مكانٍ، وكلُّ واحدٍ يَرَاها مُنْفَرِدًا بها، واللَّهُ فوقَ ذلكَ وأعظمُ مِن ذلك، سبحانه يَرَاهُ المؤمنونَ يومَ القيامةِ، وهم على أَسِرَّتِهِم وعلى أمَاكِنِهم إذَا تَجَلَّى لهم سبحانه وتعالى، وهذا بفضلِه وإحسانِه إليهم، حيثُ يَتَجَلَّى لهم، ويُرِيهِم وَجْهَه الكريمَ، ويُكَلِّمُهُم ويُسَلِّمُ عليهم، ويقولُ: (هَلْ رَضِيتُمْ؟) سبحانه وتعالى.