‹
الصفحة 44 من 44

(5) يقولُ رَحِمَهُ اللَّهُ في أهلِ الكلامِ الذين خاضُوا في الكلامِ، ولم يَكْتَفُوا بالكتابِ والسنَّةِ، حتى وَقَعُوا فيما وَقَعُوا فيه مِن الشكِّ والحَيرَةِ، وحتى سَبَّبُوا للناسِ شَكًّا وحَيرَةً، ومشاكلَ كثيرةً ونِزَاعًا، ومناظراتٍ وتَعَبًا كثيرًا: إنَّه يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ إليهم بنظريْنِ: مَن نَظَرَ إليهم مِن جِهَةِ خلافِهم للكتابِ والسنَّةِ وإعراضِهم عن النصوصِ وتحكيمِهم آراءَهُم صَوَّبَ ما قالَه الشافعيُّ فيهم، ورَأَى أنَّه كلامٌ عظيمٌ صَدَرَ مِن إمامٍ جَلِيلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى، حيثُ قالَ: (حُكْمِي فِي أَهْلِ الكَلامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي القَبَائِلِ وَالعَشَائِرِ وَيُقَالَ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَقْبَلَ عَلَى الكَلامِ) .

فهذا كلامٌ صحيحٌ عظيمٌ، هم جَدِيرُونَ به وحقيقونَ به؛ لإعراضِهم عن النصوصِ وتَلْبيسِهم على النَّاسِ، وإِشْغَالِهم أكثرَ النَّاسِ، حتى حارَ مَن حارَ، وضَلَّ مَن ضَلَّ بأسبابِهم، فهم جَدِيرُونَ بأنْ يُطَافَ بهم في الأسواقِ والعشائِرِ والبُلْدَانِ، ويُجْلَدُوا ويُضْرَبُوا ويُنَكَّلَ بهم؛ لعَمَلِهِمُ الخَبِيثِ وإعراضِهم عن النصوصِ.

ومَن نَظَرَ إليهم بنَظَرٍ ثانٍ، وهو أنَّهم أصابَتْهُم حَيرَةٌ وشَكٌّ ورَيْبٌ، والْتَبَسَتْ عليهم الأمورُ، مَن نَظَرَ إليهم بهذا النظَرِ رَحِمَهم، ورَأَى أنَّ مِن الواجبِ أنْ يُعَلَّمُوا ويُوَجَّهوا، وأن يُصْبَرَ عليهم؛ لعَلَّهُم يَهْتَدُونَ، لعَلَّهُم يَتَبَصَّرُونَ.

وهذا الذي قالَه الشيخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، صحيحٌ في حقِّ مَن لم يُعَانِدْ، أمَّا مَن عَانَدَ وكابَرَ ولم يَقْبَلِ الهُدَى، ولم يَقْبَلِ التوجيهَ، فليسَ له إلاَّ ما قالَ الشافعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وما هو أشدُّ مِنه مِن ضَرْبِ عُنُقِه، وإراحةِ العالَمِ مِنه، أو تَخْلِيدِهِ في السُّجُونِ؛ حتى يَسْتَرِيحَ النَّاسُ مِن شَرِّه وبلائِه؛ فإنَّ هؤلاء القومَ مِثَلَ ما قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أُعْطُوا ذَكَاءً وما أُعْطُوا زَكَاءً، عندَهم ذَكَاءٌ وفُهُومٌ، عندَهم حِذْقٌ، ولكنْ لم يُعْطَوْا زَكَاةً؛ لم يُزَكِّهِمُ اللَّهُ، ولم يُعْطِهِمْ عِلمًا نافعًا، بل عندَهم فُهُومٌ ضَلُّوا بها، وعندَهم ذَكَاءٌ ضَلُّوا به، وكثيرٌ مِن الأذكياءِ قَد يَتَزَنْدَقُ بسَبَبِ ذَكَائِه ويَحْتَقِرُ النَّاسَ ويَرَى أنَّهم ليسوا على شيءٍ، فيَضِلُّ ويَهْلَكُ، نعوذُ باللَّهِ؛ لأنَّه يَرَى أنَّ عِلْمَه فوقَ عِلْمِهم، وفَهْمَه فَوْقَ فَهْمِهِم، وذَكَاءَه فوقَ ذَكَائِهِم، كما جَرَى لأصحابِ الكلامِ وأصحابِ الحَيرَةِ مِن الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ وغيرِهم مِن أهلِ البَلاَءِ، ظَنُّوا أنَّهم مُصِيبُونَ، وأنَّ أفهامَهُم فوقَ أفهامِ غيرِهم، وأنَّ هؤلاءِ ما عندَهم بَصِيرَةٌ، وأنَّهم بُلَدَاءُ.

هكذا اعْتَقَدُوا فَضَلُّوا وأَضَلُّوا، نسألُ اللَّهَ العافِيَةَ، أعطاهم اللَّهُ أسماعًا وأبصارًا وأفئدةً فما أَغْنَتْ عنهم أسماعُهم ولا أبصارُهم ولا أَفْئِدَتُهم من شيءٍ؛ لأجلِ اسْتِكْبَارِهم عن الحقِّ وضلالِهم عن الحقِّ واسْتِغْنَائِهم عن النصوصِ وزَعْمِهم أنَّ النصوصَ لا تُفِيدُ عِلْمًا، وإنَّما العلمُ يُؤْخَذُ مِن فُهُومِهم وآرَائِهم، فلهذا هَلَكُوا وأَهْلَكُوا. نَسْأَلُ اللَّهَ العافِيَةَ.

فرَحِمَ اللَّهُ المُؤَلِّفَ، وجَزَاهُ عمَّا فَعَلَ خَيْرًا، وهذا الكتابُ الذي هو الحَمَوِيَّةُ كِتَابٌ عظيمٌ جَدِيرٌ بالعنايةِ، جديرٌ بالحِفْظِ؛ لِمَا فيه مِن النُّقُولِ عن السَّلَفِ، وبَيَانِ الحقِّ بأدِلَّتِه، والردِّ على أهلِ الباطلِ مِن أهلِ الكلامِ والبِدَعِ، ومِن الفلاسفةِ والملاحدةِ، فهو كِتابٌ عظيمٌ معَ اخْتِصَارِه، ومعَ وُضُوحِه، وهو في الحقيقةِ مِن أَحْسَنِ ما كَتَبَه المُؤلِّفُ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَفَّقَ اللَّهُ الجميعَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت