الصفحة 1112 من 1620

وَقُمْتَ بِدِينِ اللَّهِ قِيَامًا لَمْ يُقِمْهُ خَلِيفَةُ نَبِيٍّ قَطُّ ، فَوَثَبْتَ حِينَ ضَعُفَ أَصْحَابُكَ ، وَنَهَضْتَ حِينَ وَهنُوا ، وَلَزِمْتَ مِنْهَاجَ رَسُولِهِ بِرَغْمِ الْمُنَافِقِينَ وَغَيْظِ الْكَافِرِينَ ، فَقُمْتَ بِالأَمْرِ حِينَ فَشِلُوا ، وَمَضَيْتَ بِنُورِ اللَّهِ إِذْ وَقَفُوا ، كُنْتَ أَعْلاهُمْ فَوقًا ، وَأَقَلَّهُمْ كَلامًا ، وَأَصْوَبَهُمْ مَنْطِقًا ، وَأَطْوَلَهُمْ صَمْتًا ، وَأَبْلَغَهُمْ قَوْلا ، وَكُنْتَ أَكْبَرَهُمْ رَأْيًا ، وَأَشْجَعَهُمْ قَلْبًا ، وَأَشَدَّهُمْ يَقِينًا ، وَأَحْسَنَهُمْ عَمَلا ، وَأَعْرَفَهُمْ بِالأُمُورِ ، كُنْتَ لِلدِّينِ يَعْسُوبًا ، وَكُنْتَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَبًا رَحِيمًا ، إِذَا صَارُوا عَلَيْكَ عِيَالا ، فَحَمَلْتَ أَثْقَالَ مَا عَنْهُ ضَعُفُوا ، وَحَفِظْتَ مَا أَضَاعُوا وَرَعَيْتَ مَا أَهْمَلُوا ، وَصَبَرْتَ إِذْ جَزِعُوا ، وَأَدْرَكْتَ آثَارَ مَا طَلَبُوا ، وَنَالُوا بِكَ مَا لَمْ يَحْتَسِبُوا ، كُنْتَ عَلَى الْكَافِرِينَ عَذَابًا صَبًّا ، وَلِلْمُسْلِمِينَ غَيْثًا وَخِصْبًا ، وَفُطِرْتَ بِغِنَاهَا ، وَقرت بِحَيَاهَا ، وَذَهَبْتَ بِفَضَائِلِهَا ، وَأَحْرَزْتَ سَوَابِقَهَا ، لَمْ تُفْلَلْ حُجَّتُكَ ، وَلَمْ يَزِغْ قَلْبُكَ ، وَلَمْ تَضْعُفْ بَصِيرَتُكَ ، وَلَمْ تَجْبُنْ نَفْسُكَ ، كُنْتَ كَالْجَبَلِ لا تُحَرِّكُهُ الْعَوَاصِفُ وَلا تُزِيلُهُ الْقَوَاصِفُ ، كُنْتَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيْهِ بِصُحْبَتِكَ وَذَاتِ يَدِكَ ، وَكَمَا قَالَ: ضَعِيفًا فِي بَدَنِكَ ، قَوِيًّا فِي أَمْرِ اللَّهِ ، مُتَوَاضِعًا عَظِيمًا عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ ، جَلِيلا فِي الأَرْضِ ، لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ فِيكَ مَهْمَزٌ ، وَلا لِقَائِلٍ فِيكَ مَغْمَزٌ ، وَلا فِيكَ مَطْمَعٌ ، وَلا عِنْدَكَ هَوَادَةٌ لأَحَدٍ ، الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ عِنْدَكَ قَوِيٌّ حَتَّى تَأْخُذَ لَهُ بِحَقِّهِ ، وَالْقَوِيُّ الْعَزِيزُ عِنْدَكَ ذَلِيلٌ حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ الْحَقُّ ، وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، شَأْنُكَ الْحَقُّ ، وَالصِّدْقُ ، وَالرِّفْقُ قَوْلُكَ ، فَأَقْلَعْتَ وَقَدْ نَهَجَ السَّبِيلُ وَاعْتَدَلَ بِكَ الدِّينُ ، وَقَوِيَ الإِيمَانُ ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، فَسَبَقْتَ وَاللَّهِ سَبْقًا بَعِيدًا ، وَأَتْعَبْتَ مَنْ بَعْدَكَ إِتْعَابًا شَدِيدًا ، وَفُزْتَ بِالْجَنَّةِ وَعَظُمَتْ رَزِيَّتُكَ فِي السَّمَاءِ ، وَهَدَّتْ مُصِيبَتُكَ الأَنَامَ ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، رَضِينَا عَنِ اللَّهِ قَضَاءَهُ ، وَسَلَّمَنَا اللَّهُ أَمْرَهُ ، فَلَنْ يُصَابَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا ، كُنْتَ لِلدِّينِ عُدَّةً وَكَهْفًا ، وَلِلْمُسْلِمِينَ حِصْنًا وَفِئَةً وَأنسًا ، وَعَلَى الْمُنَافِقِينَ غِلْظَةً وَغَيْظًا فَأَلْحَقَكَ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وَلا حَرَمَنَا اللَّهُ أَجْرَكَ ، وَلا أَضَلَّنَا بَعْدَكَ ، قَالَ: وَسَكَتَ النَّاسُ حَتَّى قَضَى كَلامَهُ ، ثُمَّ بَكَى أصحاب رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالُوا: صَدَقْتَ يَابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَضِيَ عَنْهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت