الصفحة 400 من 462

ص -376- خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذاونزلت فيهم الأحكام وكانوا يتركون من خبيث المآكل ما لا يترك غيرهم قال الشافعي وسمعت أهل العلم يقولون في قول الله عز وجل: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} 1 الآية يعني مما كنتم تأكلون ولم يكن الله عز وجل ليحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالا لهم في الإحلال والله أعلم فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الغراب والحدأة والعقرب والحية والفأرة والكلب العقور2 دل ذلك على أن هذا مخرجه ودل على معنى آخر أن العرب كانت لا تأكل مما أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الإحرام شيئا ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع3 وأحل الضبوع ولها ناب وكانت العرب تأكلها وتدع الأسد والنمر والذئب تحريما له بالتقذر وكان الفرق بين ذوات الأنياب أن ما عدا منها على الناس لقوته بنابه حرام وما لم يعد عليهم بنابه الضبع والثعلب وما أشبههما حلال وكذلك تترك أكل النسر والبازي والصقر والشاهين وهي مما يعدو على حمام الناس وطائرهم وكانت تترك مما لا يعدو من الطائر الغراب والحدأة والرخمة والبغاثة وكذلك تترك اللحكاء والعظاء والخنافس فكانت داخلة في معين الخبائث وخارجة من معنى الطيبات فوافقت السنة فيما أحلوا وحرموا مع الكتاب ما وصفت فانظر ما ليس فيه نص تحريم ولا تحليل فإن كانت العرب تأكله فهوداخل في جملة الحلال والطيبات عندهم لأنهم كانوا يحللون ما يستطيبون وما لم يكونوا يأكلونه باستقذاره فهوداخل في معنى الخبائث ولا بأس بأكل الضب وضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعافه فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال:"لا ولكن لم يكن بأرض قومي"4 فاكل منه بين يديه وهو ينظر إليه ولو كان حراما ما تركه وأكله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة الأنعام: 145

2 انظر الأم 2/384, 390.

3 انظر الأم 2/385, 390.

4 انظر الأم 2/393, 398.

باب كسب الحجام.

قال الشافعي رحمه الله: ولا بأس بكسب الحجام فإن قيل: فما معنى نهي النبي صلى الله عليه وسلم السائب عن كسبه وإرخاصه في أن يطعمه رقيقه وناضحه؟ قيل: لا معنى له إلا واحد وهو أن المكاسب حسنا ودنيئا فكان كسب الحجام دنيئا فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيها له لا تحريما عليه وقد حجم أبوطيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه5 ولوكان حراما لم يعطه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعطي إلا ما يحل إعطاؤه ولآخذه ملكه وقد روي أن رجلا ذا قرابة لعثمان قدم عليه فسأله عن معاشه فذكر له غلة حجام أو حجامين فقال: إن كسبكم لوسخ أو قال لدنس أولدنيء أوكلمة تشبهها6.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

5 الحديث أخرجه البيهقي 9/337.

6 الأثر أخرجه البيهقي 9/338.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت