فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالفقهاء فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن الأصل في العقود أنها لا تصح إلا بالصيغة وهي العبارات التي قد يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول سواء في ذلك: البيع والإجارة والهبة والنكاح والعتق والوقف وغير ذلك وهذا ظاهر قول الشافعي وهو قول في مذهب أحمد يكون تارة رواية منصوصة في بعض المسائل كالبيع والوقف ويكون تارة رواية مخرجة والإجارة
ثم هؤلاء يقيمون الإشارة مقام العبارة عند العجز عنها كما في إشارة الأخرس ويقيمون أيضا الكتابة في مقام العبارة عند الحاجة وقد يستثنون مواضع دلت النصوص على جوازها إذا مست الحاجة إليها كما في الهدي إذا عطب دون محله فإنه ينحر ثم يضمخ نعله المعلق في عنقه بدمه علامة للناس ومن أخذه ملكه وكذلك الهدية ونحو ذلك لكن الأصل عندهم هو اللفظ لأن الأصل في العقود هو التراضي المذكور في قوله: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقوله: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } والمعاني التي في النفس لا تنضبط إلا بالألفاظ التي قد جعلت لإبانة ما في القلب إذ الأفعال من المعاطاة ونحوها يحتمل وجوها كثيرة ولأن العقود من جنس الأقوال فهي في المعاملات كالذكر والدعاء في العبادات
القول الثاني: أنها تصح بالأفعال فيما كثر عقده بالأفعال كالمبيعات بالمعاطاة وكالوقف في مثل من بنى مسجدا وأذن للناس في الصلة فيه أو سبل أرضا للدفن أو بنى مظهرة وسبلها للناس وكبعض أنواع الإجارة: كمن دفع ثوبه إلى غسال أو خياط يعمل بالأجرة أو ركب سفينة ملاح وكالهدية ونحو ذلك
فإن هذه العقود لم تنعقد بالأفعال الدالة عليها لفسدت أمور الناس ولأن الناس من لدن النبي صلى الله عليه و سلم وإلى يومنا ما زالوا يتعاقدون في مثل هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود وهذا قول الغالب على أصول أبي حنيفة وهو قول في مذهب أحمد ووجه في مذهب الشافعي بخلاف المعاطاة في الأموال الجليلة فإنه لا حاجة إليه ولم يجربه العرف
القول الثالث: أنها تنعقد بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل فكل ما عده الناس بيعا وإجارة فهو بيع وإجارة وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه بينهم من الصيغ والأفعال وليس لذلك حد مستمر لا في شرع ولا في لغة بل يتنوع بتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم فإن لفظ البيع والإجارة في لغة العرب ليس هو اللفظ الذي في لغة الفرس أو الروم أو الترك أو البربر أو الحبشة بل قد يختلف أنواع اللغة الواحدة ولا يجب على الناس إلتزام نوع معين من الإصطلاحات في المعاملات ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيرهم إذا كان ما تعاقدوا به دالا على مقصودهم وإن كان قد يستحب بعض الصفات
وهذا هو الغالب على أصول مالك وظاهر مذهب أحمد ولهذا يصح في ظاهر مذهبه بيع المعاطاة مطلقا وإن كان قد وجد اللفظ من أحدهما والفعل من الآخر بأن يقول: خذ هذا لله فيأخذه أو يقول: أعطني خبزا بدرهم فيعطيه أو لم يوجد لفظ من أحدهما بأن يضع الثمن ويقبض جرزة البقل أو الحلوى أو غير ذلك كما يتعامل بها غالب الناس أو يضع المتاع ليوضع له بدله فإذا وضع البدل الذي يرضى به أخذه كما يجلبه التجار عن عادة بعض أهل المشرق فكلما عده الناس بيعا فهو بيع
وكذلك في الهبة مثل الهدية ومثل تجهيز الزوجة بمال يحمل معها إلى بيت زوجها إذا كانت العادة جارية بأنه عطية لا عارية
وكذلك الإجارات مثل ركوب سفينة الملاح والمكارين وركوب دابة الجمال إذ الحمار أو البغال المكارين على الوجه المعتاد أنه إجارة ومثل الدخول إلى حمام الحمامي ومثل دفع الثوب إلى غسال أو خياط يعمل بالأجر أو دفع الطعام إلى طباخ أو شواي بطبخ أو يشوي للآخر سواء شوى اللحم مشروحا أو غير مشروح
حتى اختلف أصحابه هل يقع بالمعاطاة مثل أن تقول: اخلعني بهذه الألف أو بهذا الثوب فيقبض العوض على الوجه المتعاقد أنه رضي بالمعاوضة ؟
فذهب العكبريون كأبي حفص وأبي علي بن شهاب إلى أن ذلك خلع صحيح وذكروا من كلام أحمد ومن كلام غيره من السلف من الصحابة والتابعين ما يوافق قولهم ولعله هو الغالب على نصوصه بل قد نص على أن الطلاق يقع بالفعل والقول واحتج على أنه يقع بالكتاب بقول النبي صلى الله عليه و سلم: [ أن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به ]
قال: وإذا كتب فقد عمل
وذهب البغداديون الذين كانوا في ذلك الوقت كابن حامد ومن اتبعهم كالقاضي أبي يعلى ومن سلك سبيله: أنه لا تقع الفرقة إلا بالكلام وذكروا من كلام أحمد ما اعتمدوه في ذلك بناء على أن الفرقة فسخ النكاح والنكاح يفتقر إلى لفظ فكذلك فسخه
وأما النكاح فقال هؤلاء: ابن حامد والقاضي وأصحابه مثل: أبي الخطاب وعامة المتأخرين: أنه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج كما قاله الشافعي بناء على أنه لا ينعقد بالكتابة لأنها تفتقر إلى نية والشهادة شرط في صحة النكاح والشهادة على النية غير ممكنة ومنعوا من انعقاد بلفظ الهبة والعطية أو غيرهما من ألفاظ التمليك
وقال أكثر هؤلاء أيضا: أنه لا ينعقد إلا بلفظ العربية لمن يحسنها فإن لم يحسنها ولم يقدر على تعليمها انعقد بمعناها الخاص بكل لسان وإن قدر على تعلمها ففيه وجهان بناء على أنه مختص بهذين اللفظين وأن فيه شوب التعبد وهذا مع أنه ليس منصوصا عن أحمد فهو مخالف لأصوله ولم ينص أحمد على ذلك ولا نقلوا عنه نصا على ذلك وإنما نقلوا قوله في رواية أبي الحرث: إذا وهب لرجل فليس بنكاح فإن الله قال: { خالصة لك من دون المؤمنين }
وهذا إنما هو نص على منع ما كان من خصائص النبي صلى الله عليه و سلم وهو النكاح بغير مهر بل قد نص أحمد في المشهور عنه على أن النكاح ينعقد بقوله لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك أو صداقك عتقك أو بقوله: جعلت عتقك صداقك ذكر ذلك في غير موضع من جواباته فاختلف أصحابه
فأما ابن حامد فطرد قياسه وقال: لا بد مع ذلك من أن يقول وتزوجتها أو نكحتها لأن النكاح لا ينعقد قط بالعربية إلا بهاتين اللفظتين
وأما القاضي أبو يعلى وغيره فجعلوا هذه الصورة مستثناة من القياس الذي وافقوا عليه ابن حامد وإن تلك من صورة الاستحسان وذكر ابن عقيل قولا في المذهب أنه ينعقد بعين لفظ الإنكاح والتزويج لنص أحمد
هذا وهذا أشبه بنصوص أحمد وأصوله ومذهب مالك في ذلك شبيه بمذهبه فإن أصحاب مالك اختلفوا: هل ينعقد بغير لفظ الإنكاح والتزويج على قولين والمنصوص عنه إنما هو منع ما اختص به النبي صلى الله عليه و سلم من هبة البضع بغير مهر
قال ابن القاسم وإن وهب ابنته وهو يريد انكاحها فلا أحفظه عن مالك وهو عندي جائز وما ذكره بعض أصحاب مالك وأحمد من أنه لا ينعقد إلا بهذين اللفظين بعيد عن أصولهما
فإن الحكم مبني على مقدمتين:
أحدهما: إنما نسمي ذلك كناية وإن الكناية تفتقر إلى النية ومذهبهما المشهوران دلالة الحال في الكنايات تجعلها صريحة ويقوم مقام إظهار النية ولهذا جعل للكنايات في الطلاق والقذف ونحوهما مع دلالة الحال كالصريح ومعلوم أن دلالات الأحوال في النكاح من إجتماع الناس لذلك والتحدث بما اجتمعوا فإذا قال بعد ذلك: ملكتهكها بألف درهم علم الحاضرون بالإضطرار إن المراد به الإنكاح وقد شاع هذا اللفظ في عرف الناس حتى سموا عقده أملاكا وملاكا ولهذا روى الناس قول النبي صلى الله عليه و سلم لخاطب الواهبة الذي التمس فلم يجد خاتما من حديد تارة: [ بأنكحتكها بما معك من القرآن ] وتارة ملكتكها وإن كان النبي صلى الله عليه و سلم يثبت أنه اقتصر على ملكتكها بل أما قالهما جميعا أو قال أحدهما
لكن لما كان اللفظان عندهم في مثل هذا الموضع سواء رووا الحديث تارة هكذا وتارة هكذا ثم تعين اللفظ العربي في مثل هذا في غاية البعد عن أصول أحمد ونصوصه وعن أصول الأدلة الشرعية إذ النكاح يصح من الكافر والمسلم وهو إن كان قربة فإنما هو كالعتق والصدقة ومعلوم أن العتق لا يتعين له لفظ لا عربي ولا عجمي وكذلك الصدقة والوقف والهبة لا يتعين لفظ عربي بالإجماع ثم العجمي إذا تعلم العربية في الحال قد لا يفهم المقصود من ذلك اللفظ كما يفهم من اللغة التي اعتادها
نعم لو قيل: يكره العقود بغير العربية لغير حاجة كما يكره سائر أنواع الخطاب بغير العربية لغير حاجة لكان متوجها كما قد روي عن مالك وأحمد والشافعي ما يدل على كراهة اعتياد المخاطبة بغير العربية لغير حاجة
وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع وقد ذكر أصحاب الشافعي وأحمد كالقاضي وابن عقيل والمتأخرين أنه يرجع في نكاح الكفار إلى عادتهم كما اعتقدوه نكاحا بينهم جاز إقرارهم عليه إذا تسلموا أو تحاكموا إلينا إذا لم يكن حينئذ مشتملا على مانع وإن كانوا يعتقدون أنه ليس بنكاح لم يعجز الإقرار عليه حتى قالوا: لو قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحا أقرا عليه وإلا فلا
ومعلوم أن كون القول أن الفعل يدل على مقصود العقد لا يختص به المسلم دون الكافر إنما اختص المسلم بأن الله أمر في النكاح أن يميز عن السفاح كما قال: { محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان } فأمر بالوالي والشهود ونحو ذلك مبالغة في تميزه عن السفاح وصيانة النساء عن التشبه بالبغايا حتى شرع الصوت بالدف والوليمة الموجبة لشهرته ولهذا جاء في الأثر: ( المرأة لا تزوج نفسها فإن البغي هي التي تزوج نفسها ) وأمر فيه بالإشهاد أو بالإعلان أو بهما جميعا ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات في مذهب أحمد ومن اقتصر على الإشهاد علله بأن به يحصل الإعلان المميز له عن السفاح وبأنه يحفظ النسب عن التجاحد
فهذه الأمور التي اعتبرها الشارع في الكتاب والآثار حكمها بينه فأما التزام لفظ خاص فليس فيه أثر ولا تعلق
وهذه القاعدة الجامعة التي ذكرناها من أن العقود تصح بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل هي التي تدل عليها أصول الشريعة وهي التي تعرفها القلوب وذلك أن الله سبحانه قال: { فانكحوا ما طاب لكم من النساء } وقال { وأنكحوا الأيامى منكم } وقال: { وأحل الله البيع } وقال: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه } وقال: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } وقال: { فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن } وقال: { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } إلى قوله: { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } إلى قوله: { فرهان مقبوضة } وقال: { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا } وقال: { مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل } وقال: { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } وقال: { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا } وقال: { فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا } وقال: { فأمسكوهن بمعروف } إلى نحو ذلك من الآيات المشروع فيها العقود إما أمر وإما إباحة والمنهى فيها عن بعضها كالزنا فإن الدلالة فيها من وجوه:
أحدها: أنه بالتراضي في البيع في قوله: { إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ويطيب النفس في التبرع في قوله: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا } فتلك الآية في جنس المعاوضات وهذه من جنس التبرعات ولم يشترط لفظا معينا ولا فعلا معينا يدل على التراضي وعلى طيب النفس ونحن نعلم بالإضطرار من عادات الناس في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس والعلم به ضروري في غالب ما يعتاد من العقود وظاهر في بعضها وإذا وجد تعلق الحكم بهما بدلالة القرآن وبعض الناس قد يحمله الكذب في نصرة قول معين على أن يجحد ما يعلم الناس من التراضي وطيب النفس فلا عبرة بجحد مثل هذا فإن جحد الضروريات قد يقع كثيرا عن موطأة وتلقين في الأخبار والمذاهب
فالعبرة بلفظته التي لم يعارضها ما يغيرها ولهذا قلنا: أن الأخبار المتواترة يحصل بها العلم حيث لا يتواطأ على الكذب لأن الفطر لا تتفق فأما مع التواطئ والإتفاق فقد تتفق جماعات على الكذب
الوجه الثاني: إن هذه الأسماء جاءت في كتاب الله وسنة رسوله معلقا بها أحكام شرعية وكل اسم فلا بد له من حد فمنه ما يعلم حده باللغة كالشمس والقمر والبحر والبر والسماء والأرض ومنه ما يعلم بالشرع كالمؤمن والكافر والمنافق وكالصلاة والزكاة والحج
وما لم يكن له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله صلى الله عليه و سلم [ من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ]
ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحو ذلك لم يحد الشارع له حدا لا في كتاب الله ولا في سنة رسوله بل ولا ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين للعقود صيغة معينة من الألفاظ أو غيرها أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ بل قد قيل أن هذا القول مما يخالف الإجماع القديم وأنه من البدع وليس لذلك حد في اللغة بحيث يقال إن أهل اللغة يسمون هذا بيعا ولا يسمون هذا بيعا حتى يدخل أحدهما في خطاب الله فلا يدخل الآخر بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المعاقدات بيعا دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعا
والأصل بقاء اللغة وتقديرها لا نقلها وتغييرها فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة المرجوع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة
الوجه الثالث: إن تصرفات العباد من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم وعادات يحتاجون إليها في دنياهم فاستقراء أصول الشريعة أن العبادات التي أوجبها الله أو أباحها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه
والأصل فيه عدم الحظر فلا يخطر منه إلا ما حظره الله ورسوله وذلك لأن الأمر والنهي مما شرع الله تعالى والعبادة لا بد أن تكون مأمورا بها فما لم يثبت أنه مأمور كيف يحكم عليه بأنه عبادة ؟ وما لم يثبت من العادات أنه منهي عنه كيف يحكم عليه أنه محظور ؟
ولهذا كان أصل أحمد وغيره من فقهاء الحديث: أن الأصل في العبادات التوقيف فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا دخلنا في معنى قوله: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله }
والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه الله وإلا دخلنا في معنى قوله: { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا } ولهذا ذم الله المشركين الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله وحرموا ما لم يحرمه في سورة الأنعام من قوله: { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون * وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون } وقالوا: { هذه أنعام وحرث حجر } فذكر ما ابتدعوه من العبادات والتحريمات وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: [ قال الله تعالى: إني خلفقت عبادي حنفاء فاحتالتهم الشياطين وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم ننزل به سلطانا ]
وهذه قاعدة عظيمة نافعة وإذا كان كذلك فنقول: البيع والهبة والإجادة وغيرها هي من العادات التي يحتاج الناس إليها في معاشهم كالأكل والشرب واللباس فالشريعة جاءت في العادات بالآداب الحسنة فحرمت منها ما فيه فساد وأوجبت منها ما لا بد منه وكرهت ما لا ينبغي واستحبت ما فيه مصلحة راجحة في أنواع هذه العادات ومقاديرها وصفاتها وإذا كان كذلك فالناس يتبايعون ويتآجرون كيف شاؤوا ما لم تحرمه الشريعة كما يأكلون ويشربون كيف شاؤوا ما لم تحرمه الشريعة وإن كان بعض ذلك قد يستحب أو يكون مكروها ولم تحد الشريعة في ذلك حدا فيبقون فيه على الإطلاق الأصلي
وأما السنة والإجماع فمن تتبع ما ورد عن النبي صلى الله عليه و سلم والصحابة والتابعين من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات علم ضرورة أنهم لم يكونوا ملتزمون الصيغة من الطرفين والآثار بذلك كثيرة ليس هذا موضعها إذا الغرض التنبيه على القواعد وإلا فالكلام في أعيان المسائل له موضع غير هذا فمن ذلك أن رسول الله صلى الله عليه و سلم بنى مسجده والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته ولم يؤمر أحد أن يقول وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ بل قال النبي صلى الله عليه و سلم: [ من بنى لله مسجدا بنى الله بيتا في الجنة ] فعلق الحكم بنفس بنائه وفي الصحيحين أنه لما اشترى الجمل من عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: هو لك يا عبد الله بن عمر ولم يصدر من ابن عمر لفظ قبول وكان يهدي ويهدي له فيكون قبض الهدية قبولها ولما نحر البدنات قال: من شاء اقتطع مع إمكان قسمتها فكان هذا إيجابا وكان الإقتطاع هو القبول وكان يسأل فيعطي أو يعطي من غير سؤال فيقبض المعطي ويكون الإعطاء هو الإيجاب والأخذ هو القبول في قضايا كثيرة جدا ولم يكن يأمر الآخذين بلفظ ولا يلتزم أن يتلفظ لهم كما في إعطائه للمؤلفة وللعاملين وغيرهم وجعل إظهار الصفات في المبيع بمنزلة اشتراطها باللفظ في مثل المصراة ونحوها من المدلسات
وأيضا فإن التصرفات جنسان عقود وقبوض كما جمعها النبي صلى الله عليه و سلم في قوله: [ رحم الله عبدا كان سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى ] وتقول الناس البيع والشراء والأخذ والعطاء والمقصود من العقود إنما هو القبض والاستيفاء فإن المعاقدات تفيد وجوب القبض أو جوازه بمنزلة إيجاب الشارع ثم التقابض ونحوه وفاء بالعقود بمنزلة فعل المأمور به في الشرعيات
والقبض ينقسم إلى صحيح وفاسد كالعقد ويتعلق به أحكام شرعية كما يتعلق بالعقد فإن كان المرجع في القبض إلى عرف الناس وعاداتهم من غير حد يستوي فيه جميع الناس في جميع الأحوال والأوقات فكذلك العقود وإن حررت عبارته قلت أحد نوعي التصرفات فكان المرجع فيه إلى عادة الناس كالنوع الآخر ومما يلتحق بهذا أن الإذن العرفي في الإستباحة أو التملك أو التصرف بطريق الوكالة كالإذن اللفظي وكل واحد من الوكالة والإباحة ينعقد بما يدل عليها من قول وفعل والعلم يرضي المستحق يقوم مقام إظهاره الترضي
وعلى هذا يخرج مبايعة النبي صلى الله عليه و سلم عن عثمان بن عفان بيعة الرضوان وكان غائبا وإدخاله أهل الخندق إلى منزل أبي طلحة ومنزل جابر بدون استئذانهما لعلمه أنهما راضيان بذلك ولما دعاه صلى الله عليه و سلم سادس ستة أتبعتم رجل فلم يدخله حتى استأذن اللحام الداعي
وكذلك ما يؤثر عن الحسن البصري أن أصحابه لما دخلوا منزله وأكلوا طعامه قال: ذكرتموني أخلاق قوم قد مضوا وكذلك معنى قول أبي جعفر أن الإخوان من يدخل أحدهم يده إلى جيب صاحبه فيأخذ منه ما شاء
ومن ذلك قوله صلى الله عليه و سلم لمن استوهبه كهبة شعر: أما ما كان إعطاءه لي ولبني عبد المطلب فقد وهبته لك وكذلك المؤلفة عند من يقول أنه أعطاهم من أربعة الأخماس وعلى هذا خرج الإمام أحمد بيع حكيم بن حزام وعروة بن الجعد لما وكله النبي صلى الله عليه و سلم في شراء شاة بدينار فاشترى شاتين وباع إحداهما بدينار فإن التصرف بغير استئذان خاص تارة بالمعاوضة وتارة بالشرع وتارة بالانتفاع مأخذه إما إذن عرفي عام أو خاص