أحبها أذلَّته، ومن نظر إليها أعمته، والناس فيها طائفتان:
طائفة فطناء علموا أنها ظلٌّ زائلٌ ونعيمٌ حائل وأضغاث أحلام، بل فهموا أنها نِعَمٌ في طيِّها نقم، وعرفوا أنَّ هذه الحياة الفانية طريق إلى الحياة الباقية، فرضوا منها باليسير، وقنعوا فيها بالقليل، فاستراحت قلوبهم وأبدانهم، وسلم لهم منها دينهم، وكانوا عند الله تعالى من المحمودين .. لم تشغلهم دنياهم عن طاعة مولاهم، جعلوا النفس الأخير وما وراءه نصب أعينهم، وتدبروا ماذا يكون مصيرهم، وفكروا كيف يخرجون من الدنيا وإيمانهم سالم لهم، وما الذي يبقى معهم منها في قبورهم، وما الذي يتركوه للورثة من بعدهم في الدنيا، ومن لا يغنيهم من الله شيئًا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون، أدركوا كلَّ هذا فتأهَّبوا للسفر وأعدُّوا الجواب للحساب وقدَّموا الزاد للمعاد {خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} ..
طُوبى لهم، خافوا فأمنوا، وأحسنوا ففازوا.
وطائفةٌ أخرى جُهلاء عمي البصائر لم ينظروا في أمرها، ولم يتكشَّفوا سوء حالها ومآلها، برزت لهم بزينتها ففتنتهم، فإليها أخلدوا، وبها رضوا، ولها اطمأنُّوا حتى ألهتهم عن الله تعالى وشغلتهم عن ذِكره وطاعته: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [الحشر: 19] .