في القرن الثامن عشر ـ يعني الثاني عشر الهجري ـ كان العالم الإسلامي قد بلغ من التضعضع أعظم مبلغ ، ومن التدني والانحطاط أعمق دركة ، فاربد جوه ، وطبقت الظلمة كل صقع من أصقاعه ، ورجًا من أرجائه وانتشر فيها فساد الأخلاق والآداب ، وتلاشى ما كان باقيًا من آثار التهذيب العربي ، واستغرقت الأمم الإسلامية في اتباع الأهواء والشبهات ، وماتت الفضيلة في الناس ، وساد الجهل ، وانطفأت قبسات العلم الضئيلة ، وانقلبت الحكومات إلى مطايا استبداد ، وفوضى واغتيال ، فليس يرى في العالم الإسلامي في ذلك العهد سوى المستبدين الغاشمين ، وقام كثير من الولاة يخرجون على الدولة التي خرجوا عليها ، فكان هؤلاء الخوارج لا يستطيعون إخضاع من في حكمهم من الزعماء هنا وهناك ، فكثر السلب والنهب ، وفقد الأمن ،وجاء فوق جميع ذلك رجال الدين المستبدون يزيدون الرعايا إرهاقًا فوق إرهاق ، فغلت الأيدي ، وقعد عن طلب الرزق ، وكاد العزم يتلاشى في نفوس المسلمين ، وبارت التجارة بوارًا شديدًا ، وأهملت الزراعة أيما إهمال .
وأما الدين فقد غشيته غاشية سوداء فألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس سجفًا من الخرافات وقشور الصوفية ، وخلت المساجد من أرباب الصلوات ، وكثر عديد الأدعياء الجهلاء ، وطوائف الفقراء والمساكين يخرجون من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات ، ويوهمون الناس بالباطل والشبهات ، ويرغبونهم في الحج إلى قبور الأولياء ، ويزينون للناس التماس الشفاعة من دفناء القبور .
وغابت عن الناس فضائل القرآن ، فصار يشرب الخمر والأفيون في كل مكان ، وانتشرت الرذائل وهتك ستر الحرمات على غير خشية ولا استحياء .