فهرس الكتاب
السلاح الذي يحتمل أن يستعمله أعداؤنا في وجهنا يجب أن نستعمله نحن، وعلينا أن نحاول بألطف مقال، وأنعم كلام، وأرفع طراز في تلفيق الفتاوي القانونية، تسويغ أحكام القضايا التي تبدو خارقة العادة، جريئة، ظالمة، إذ من الخطورة بمكان أن نجعل هذه الأحكام تتشح أروع صور العدالة، ونطرحها أمام الناس نماذج من المثل الأخلاقية، كأنها أفضل ما يستطاع استمداده من مادة القضاء. وعلى جهازنا الإداري الموجَّه، أن يحيط خبرةً، بجميع القوى التي تدخل في نسيج المدنية، القوى التي يعمل هذا الجهاز في وسطها: قوى حملة الأقلام، والفقهاء المتمرسين، والإداريين من الرتبة العليا، والساسة، وأخيرًا الأشخاص الذين كَمَل تخرّجهم تخرجًا خاصًا، ودربوا تدريبًا علميًا فائق المستوى في مدارسنا المعدة لهذه الغاية. هؤلاء الأشخاص لن يفوتهم بحالٍ أن يلاحظوا الأسرار في تركيب المجتمع، وفقه لغة السياسة على اختلاف أساليبها، وكل ما يندرج تحت الأبجدية السياسية ويجري من ألفاظها. وهم بعد، قد ازدادوا اطلاعًا على الخفايا والغوامض من الطبيعة البشرية، ومواطن الأنسجة للحس المرهف المستتر، وهذه الأنسجة إنما هي القالب الذي أفرغ فيه ذهن الغوييم، وهي مجلس نزعاته، ونواقصه، ورذائله وفضائله، وما تجد هنا مختزنًا من صور مفصلة للطبقات والأوضاع. وإني بغنى عن القول، أن الأعوان من ذوي المواهب الذين يختارون ليقوموا بمناصب مساعدين في الإدارة، لن يؤخذوا من عناصر الغوييم، الذين أتناولهم هنا، واعتادوا أنهم إذا قاموا بعمل إداري وأنفذوه، فإنما يقومون به دون أن يكلفوا أنفسهم عناء التفكير فيما يراد به، أو ما عسى أن تكون الحاجة التي اقتضته. فالمختارون من الغوييم للإدارة، يكفيهم أن يرقّعوا الأوراق ولا حاجة بهم إلى التمعن فيها، وهم في الخدمة لأحد غرضين: إمّا ابتغاء الأجرة أو المرتب، وإما اشتهاءً لقضاء المطمح القاصر في نفوسهم.