فهرس الكتاب
ابتدئ كلامي اليوم بتكرار خلاصة ما قلته سابقًا، وأرجو منكم أن تعوا في أذهانكم أن الحكومات والشعوب إنما تقفان في تحليل المسائل السياسية عند الظواهر لا تتعداها. وكيف يقوى الغوييم على النفاذ إلى بواطن الأمور، ولا همّ لمثليهم إلا التسكع وراء المُتَع والملذات؟ وهذا الإيضاح الذي أبينه الآن، تقتضي مصلحتنا الانتباه له، لما في ذلك من الفائدة لنا عندما نضع في الميزان ما يتعلق بتوزيع السلطة، وحرية الرأي، وحرية الصحافة، والمعتقد الديني، وقانون الجمعيات، والمساواة أمام القانون، وحرمة المال والمقتنيات، والمساكن، وما يتعلق بالضرائب (غير المباشرة) ، وما تحدثه القوانين من قوة رد فعل في المجتمع. فهذه المسائل هي من الخطورة والدقة بحيث لا تطرح على بساط البحث علنًا، وعلى مسمع ومرأى من الشعب. فإذا استدعت الضرورة شيئًا من هذا، ولا مناص، فيقتصر على ذلك الشيء مجملًا، ولا يسمى بالصراحة أو يعين تعيينًا، ويجتنب التفصيل، ويكتفى بالقول المقتضب أننا نعترف بهذه القوانين الجارية. والسبب في ما ينبغي أن نتخذه من مجانبة وصمت، هو أننا بعدم تسميتنا المبدأ أو القاعدة على وجه التحديد الذي ينفي كل شبهة، تبقى لنا حرية التصرف والعمل، فنسقط هذا الأمر أو نعيده، نقرّه أو نثبته، تبعًا لما يتراءى لنا، دون أن يكون من وراء ذلك ما يوقظ الانتباه. وعلى العكس من هذا، إذا ذهبنا إلى التعيين والتحديد، فكأننا قد طرحنا المسألة للنقاش، وهذا ما نحاذر.
ومن عادة الدهماء، أن يستهويهم العباقرة الممثلون للقوة السياسية، وما يأتيه هؤلاء من أفعال البأس والإقدام والجرأة، فيقول الدهماء في الثناء على تلك الأفعال والإعجاب بها: هذا عمل لا يعمله إلا الوغد ابن الحرام ولكنه حقًا عمل رائع مدهش! أجل، إنه حيلة وخديعة، ولكنه بغاية البراعة والدهاء!