وكُفِّن رضي الله عنه في نمرة، إذا خُمِّر رأسُه بدت رجلاه، وإذا خُمرِّت رجلاه بدا رأسه، وقام دعاة الإسلام يرثونه ويذكرون المصيبة التي أصابت المسلمين بفقدهم هذا المجاهد الباسل، والبطل المِغوار، ومن أولئك ابن رواحةَ حيثُ يقول:
بَكَتْ عَيني وحُقَّ لَها بُكاها عَلَى وَمَا يُغنِي البُكَاءُ ولا العَويلُ هُناك
أَسَدِ الإلهِ غَداةَ قَالوا عَليكَ سلامُ ربِّك في جِنانٍ وقدْ أُصيبَ بِه الرسولُ مُخالطُها نَعيمٌ لا يَزولُ
وَرَثَتْهُ أخته صفية قائلة:
دَعاه إلهُ الحقِّ ذو العَرشِ دَعوةً إلى جنَّةٍ يَحيَا بها وسُرورِ لِحمزةَ
فذلكَ ما كُنَّا نُرجِّي ونرتَجي يومَ الحشرِ خَيرُ مصيرِ
هذا هو حمزة بن عبد المطلب، الذي حطم جماجم صناديد قريش، فهو طراز آخر، وقصة أخرى، وشيء ثانٍ.. إذا تكلم فهي الكلمة الثائرة، وإذا ضرب فهي الضربة القاتلة القاضية، هذا من جاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وباع نفسه لله تعالى، حتى قتل شهيدًا، ثم لا يجد المسلمون عند موته غيرَ ثوبٍ قصير لا يكفي كفنًا له، فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل أعالي الفردوسِ مثواه، وجمعنا به في دار كرامته، ومستقرِّ رحمته.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.. أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله! واعلموا -رحمكم الله- أن الجنةَ غاليةٌ نفيسة، حريٌّ بالمسلم أن يسعى لها سعيًا حثيثًا، وأن يقدم الغالي والنفيس في سبيل الحصول عليها، وتلك هي الأمنيةُ العظمى، والمطلب الغالي، الذي من فاته فقد حُرِمَ الخيرَ كله، ومن فاز به فنعمَ الفوز، ونعم الجوارُ جوارَ ربِّ العالمين سبحانه وتعالى.