من أجل ذلك أحببتُ أن أتحفَكم في خطبة اليوم -بإذن الله- بشيء من سيرة سيد من ساداتهم، وحبرٍ من أحبارهم، وإمام من أئمتهم.. هو اللَّقِنُ المعلَّم، والفطن المفُهَّم.. فخر الفخار، وبدر الأحبار، والبحر الزخار، والعينُ المدرار.. مفسِّرُ التنزيل، ومبينُ التأويل.. المتفرسُ الحساس، والوضيءُ اللباس.. مكرمُ الجلَّاس، ومطعم الأُناس: عبد الله بن العباس، ابن عم رسول الجِنة والناس صلى الله عليه وآله وسلم.
لقد أمسك هذا الإمام النبيل والصحابي الجليل المجد من أطرافه؛ فقد نال شرف الصحبة، وكفى بها من منزلة عَليَّة، ومكانة سَنِيَّة، لا يصل إليها أحدٌ إلى يوم الدين بعد موت سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم.
كما حاز منزلة القرابة؛ فهو ابن عم نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن آل بيته الأطهار.
كما ظفر بمجد العلم؛ فهو حبر أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبحر علمها الزخَّار.
كما فاز بمجد التقى والورع؛ فقد كان قوَّام الليل صوَّام النهار، متضرعًا بكَّاءً من خشية الله الواحد القهار.
ولد ابن العباس قبل الهجرة بثلاث سنوات، ولما توفي ابن عمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان له ثلاثَ عشرةَ سنة فقط، ومع ذلك فقد حفظ للمسلمين عن نبيهم ألفًا وستمائة وستين حديثًا، أثبتها البخاري ومسلم إماما المحدثين، ومرجع العلماء المحققين، في صحيحيهما اللذين اتفقت الأمة وأجمعت الأئمة على أنهما أصح الكتبِ بعد كتاب الله.