كما قال عنه الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما: (إن ابن عباسٍ كان من القرآن بمنزل) .
ذلك أنه مع دعاء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم له سلك إلى العلم كل سبيل، وركب من أجله الصَّعْبَ والذَّليل، وظل ينهل من معين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما امتدت به الحياة، فلما لحق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بجوار ربه اتجه إلى البقية الباقية من علماء الصحابة، وطَفِقَ يأخذ منهم ويتلقى عنهم، ولم يمنعه نسبه الرفيع وملازمته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ من غيره، فكان يذل نفسه في طلب العلم، وفي المقابل كان يعلي قدر العلماء، فقد كان يأتي زيد بن ثابت رضي الله عنه ويتوسد رداءه عند عتبة بابه والرياح تَسفُّه بالتراب، فإذا خرج زَيدٌ وهمَّ بركوب دابته، وقف ابن عباس وأمسكَ له ركابه وأخذَ بزمامِ دابته، فيقول له زيد: (دع عنك يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فيقول: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال له زيد: أرني يدك، فقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا) ، وكان يحب الشيخين أبا بكر وعمر، ويهتم بعلومهما، حتى قال عبد الله بن عتبة: (ما رأيت أحدًا أعلم بقضاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم من ابن عباس رضي الله عنهما) .
أيها المؤمنون! وقد غدا ابن عباس بفضل علمه وفقهه مستشارًا للخلافة الراشدة على الرغم من حداثة سنة، فكان إذا عرض لعمر بن الخطاب فاروق هذه الأمة رضي الله عنه أمرًا وواجهته مُعضِلة -وهو الإمام المحدَّث الملهم- دعا جلّة الصحابة، ودعا معهم إمامنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فإذا حضر رفع منزلته، وأدنى مجلسه، حتى عُوتِب مرة في تقديمه له وجعله مع الشيوخ وهو ما زال فتى، فقال: (إنه فتى الكهول، وله لسانٌ سؤول، وقلبٌ عقول) .