وقوله تعالى: (( ولو ترى إذ وقفُوا على رَبّهم قال أليس هذا بالحَقّ قالوا بلى ورَبنا قال فَذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) ) (الأنعام/30) .
(( الوقوف خلاف الجلوس، وقَف بالمكان وقفا ووقوفا فهو وَاقف، والجمع وقف ووقوف ) ) [1] . و (( وقفَ يَقفُ وقوفا: دام قائما ) ) [2] . و (( وقفته أنا وكذا وقفتها. وَقفا: فَعَلت بها ما أوقفها أو جعلها تَقف ) ) [3] .
وإذا كان (الوقوف) خلاف الجلوس فالقرآن الكريم استعمله في قوله تعالى: (( وقِفُوا على النار ) )للدلالة على مشاهدتهم لها بعد سيرهم إليها (( أُبلغوا عليها بعد سيرٍ إليها وهو يتعدى بـ(على) والاستعلاء المستفاد بـ (على) مجازي معناه قوة الاتصال بالمكان، فلا تدل (على) على أن وقوفهم على النار كان من أعلى النار )) [4] .
وقد أضاف بعض المفسرين بعض حيثيات الوقوف الحسي ومنها المعاينة والاطلاع وحتى الدخول لمعرفة شناعة العذاب وقوته (( لو تراهم حيث يوقعون على النار حتى يعاينوها، أو يطلعون عليها، ويدخلونها فيعرفون مقدار عذابها لرأيت أمرا شنيعا ) ) [5] .
وجاء الوقوف للدلالة على الحبس (( وقوف المشركين على النار التي تكون تحتهم وحبسهم عليها ومعاينتهم لها، فان هذه الحالة ادعى إلى المسكنة والذلة. وان الوقوف على النار وما يترتب عليه في المستقبل قد حُكي بصيغة الماضي فالتعبير عن المستقبل باللفظ الموضوع للماضي يفيد الاعتبار وإزالة الشبهة، والتوكيد ) ) [6] .
وجاء الوقوف أيضا للدلالة على الاطلاع على النار (( أروها حتى يعاينوها أو اطلعوا عليها اطلاعا وهي تحتهم وأُدخلوها فعرفوا مقدار عذابها ) ) [7] .
أما (الوقوف) في قوله تعالى: (( ولو ترى إذ وقِفوا على رَبهم ) )فالوقوف هنا مختلف عن وقوفهم على النار، للدلالة على الوقوف في حضرة الله حيث يقف العبد بساحة ربه ليحاسب ويجازى على ما فعله في الحياة الدنيا (( وقِفوا على جزاء ربهم. وقِيل: عرفوه حقَّ التعريف ) ) [8] .
وقيل بأن الوقوف هنا في قوله تعالى: (وقِفوا على رَبهِم) مشاهدَتهم له (( إنهم يشاهدُونَّه وهذا المعنى فاسد، لأن المشاهدة لا يجوز إلا على الأجسام أو ما هو حالّ في الأجسام، فلا يجوز أن يكون تعالى بصفة ما هو محدث. والمراد وقوفهم على عذاب رَبهم وثوابه ) ) [9] . أي معترف لله سبحانه وتعالى معرفة حسابه وعقابه.
واستُعمل (الوقوف) بمعنى الحبس في حضرته تعالى (( أي هم موقوفون في حضرة رَبهم الذي كذبوه بلقائه، لا يبرحون الموقف وكأنما أخذ بأعناقهم حتى وقفوا في هذا المشهد الجليل الرهيب ) ) [10] .
وجيء بلفظ (على ربهم) للدلالة على أن (( الوقوف في ميدان الحساب والجزاء ) ) [11] .
إن الوقوف الوارد في الآيتين المباركتين وقوفا ماديا لأنه وقوف حقيقي لشخص الإنسان سواء كان واقفا في حضرة رَبه ليُحاسب أم انه واقف على أبواب ومشارف جهنم.
(1) ) لسان العرب، وَقفَ: 15/ 373.
(2) ) القاموس المحيط، وَقفَ: 811.
(3) ) تاج العروس، وَقفَ: 12/ 527.
(4) ) التحرير والتنوير: 7/ 184.
(5) ) البيضاوي 2: 143، النفي: 1/ 323.
(6) ) مواهب الرحمن في تفسير القرآن: 13/ 178 - 179.
(7) ) الكشاف: 2/ 16.
(8) ) م ن: 2/ 17.
(9) ) ينظر: التبيان في تفسير القرآن: 4/ 113.
(10) ) في ظلال القرآن: 2/ 1071.
(11) ) ينظر: الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: 4/ 241.