عندما مر إمام من أئمة اللغة ببادية سمع فتاة أعرابية تقول كلامًا مختصرًا بليغًا، فأثنى على بلاغتها، قالت: ليس بعد بلاغة القرآن بلاغة، فإنه ذكر في آية واحدة أمرين، ونهيين، وبشارتين: وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
مر إمام من أئمة اللغة ببادية فسمع فتاة أعرابية تقول كلامًا مختصرًا بليغًا، فأثنى على بلاغتها، قالت: ليس بعد بلاغة القرآن بلاغة، فإنه ذكر في آية واحدة أمرين، ونهيين، وبشارتين: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} .
سورة القصص 7. فأما الأمران: أرضعيه وألقيه، وأما النهيان: لا تخافي ولا تحزني، وأما البشارتان: إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، عندما تختصر الأحداث الكثيرة، بكلمات قليلة، في جمل قصيرة، تشعر يا عبد الله وأنت تسمع هذا الكلام بغاية البيان، عندما يلخص لك ماذا حصل في قصة قوم نوح في نهايتها وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ بعد ما عم الطوفان الأرض وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ سورة هود 44. فيها نداء، وفيها أمر، وفيها دعاء، يا أرض يا سماء نداء، وعندما ختمها ختمها بالدعاء وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وتعسا لهم، وتبا لهم، عندما تتأمل في آية في خبر نملة: حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ ماذا قالت النملة؟ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ سورة النمل 18. يا نادت، أيها نبهت، النمل عمت، ادخلوا أمرت، مساكنكم عينت، لا يحطمنكم حذرت، سليمان وجنوده سمت، وهم لا يشعرون أعذرت، وبينت عذر نبي الله وجنوده، لو فعل فإنه بغير قصد، بلاغة، في ترتيب الكلمات: وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ماذا أوحى؟ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ سورة النحل 68. ماذا تلاحظ يا عبد الله؟ التدرج، الترتيب؛ لأن النحل الجبلي، غير النحل الشجري، غير النحل الذي يكون على ما يعرشونه لها، يعني: بنو آدم ما يعدونه ويهيئونه من بيوتها، لكن في تدرج، في ترتيب، الجبل، ثم الشجر، ثم ما يبنونه في السهل أسفل، وترى يا عبد الله في بلاغة القرآن من بين فرث ودم، مقزز لا يمكن أن يشربه الإنسان، لا يمكن أن يشربه، ماذا يخرج من بينهما؟ الإعجاز مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا من كل شائبة سَآئِغًا بطعمه الهنيء لِلشَّارِبِينَ سورة النحل 66. فترى إعجاز الله في خلقه، وترى كيف يخبرك عن نعمته، لكن هذا الإيجاد عجب، من بين فرث ودم يخرج اللبن، الخالص، السائغ للشاربين، عندما تسمع قول الله -سبحانه وتعالى- فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا سورة العنكبوت 14. انظر إلى دقة الألفاظ في اختيارها، نوح عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما، لم يقل ألف سنة إلا خمسين، ولا ألف سنة إلا خمسين سنة، ولا ألف عام إلا خمسين عاما، ألف سنة إلا خمسين عاما، كأن طبيعة التسعمائة وخمسين غير طبيعة الخمسين، السنة في اللغة: تطلق على القحط، وعلى الشدة، فإن الله أخذ آل فرعون بالسنين والقحط، لكن العام يطلق على الخير والخصب، كما قال: ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ سورة يوسف 49. وهكذا كانت النتيجة في تلك التسعمائة وخمسين غير النتيجة في الخمسين، كما قيل إن نوحا عليه السلام عاش بعدها.
عباد الله:
إن هذه الألفاظ في تواليها على اختصارها، تعطي معاني كبيرة جدًا، وتعبر عن حقائق، وترسخ أمورًا في النفس لمن ألقى السمع وكان له قلب وهو شهيد، في معرض التنفير من الفاحشة، ماذا قال من كلام أولئك النسوة: امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا سورة يوسف 30. أربع كلمات، لكن ماذا تحوي من المعاني امْرَأَةُ الزنى قبيح من الجنسين ولكنه من المرأة أقبح؛ لأن حياءها أشد امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الزنى من المتزوجة والعزباء قبيح، لكنه من المتزوجة أشد؛ فإن الله أغناها وأعفها بالزوج امْرَأَةُ الْعَزِيزِ متزوجة الْعَزِيزِ لها مكانة اجتماعية، والزنى من ذات المكانة العالية وذات المكانة الدنيا قبيح، ولكنه من ذات المكانة العالية أشد؛ لأن من المفترض أنها تخشى على سمعتها ومكانتها تُرَاوِدُ قبيح عرض الزنى من الجنسين، سواء عرضه الرجل أو عرضته المرأة، ولكن قبحه في عرضه من المرأة أشد؛ لأن حياءها أشد، فكيف تعرض، والعادة أن الرجل طالب والمرأة مطلوبة، فإذا انعكست القضية صار الشأن أقبح، تراود هي التي تطلب، والزنى قبيح سواء كان مع من هو في مثل قدرها ومستواها الاجتماعي، أو مع من هو دونها، لكن عندما تطلب وهي في تلك المكانة من عبدها وخادمها، هذا أقبح تُرَاوِدُ فَتَاهَا فانظر إلى التنفير من الفاحشة، يا عبد الله! ألا يلفت نظرك قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا سورة المائدة 38. فقدم الذكر على الأنثى، وفي قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ سورة النور 2. فلماذا قدم الأنثى على الذكر؟ الرجل أقدر على كسب الرزق من الأنثى، ففي معرض السرقة، السرقة من الذكر أقبح؛ لأنها مستضعفة لا تقدر أن تكسب رزقها مثله، ولذلك صار هو في باب السرقة أسوأ، فقدمه، قال: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وفي معرض الزنى في مسألة الحياء المتقدمة من المرأة أقبح، قال: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ.