الحصر كما قال العلماء؛ فإن من قال: أعبد كذا، يحتمل أن يعبد غيره أيضًا، لكن لما يقول: إياك نعبد، هذا التقديم للمفعول به على الفعل يفيد الحصر، يعني: لا نعبد إلا أنت، فترتيب الكلمات له معنى ومغزى.
ولما جاء إلى الهداية وطلب العفو قال: (اهدِنَا الصِّرَاطَ) ، لم يقدم ولم يؤخّر، فلم يقل: إيانا اهدِ، لماذا؟! لأن الهداية عامة، ليست فقط للمتكلم، ولذلك رجع السياق إلى المعتاد وتقدم الفعل فقال: (اهدِنَا الصِّرَاطَ) .
ولذلك أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على الأعرابي لما قال:"ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا"، فرحمة الله واسعة تشمل الجميع ولا يجوز تخصيصها لشخص.
عندما تتأمل في هذا القرآن الذي أسكت العرب فستجد أنه قمة الفصاحة، ومن المعلوم أن قمة فصاحة العرب وقمة الإنتاج الشعري وقمة بلاغة الخطب كانت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانت المعلقات، فلما جاء القرآن أسكت هذه القمم البلاغية فلم تعد شيئًا، وتحداهم بأن يأتوا بمثله فلم يستطيعوا، وتحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فلم يستطيعوا، وتحداهم بأن يأتوا بسورة فلم يستطيعوا، فنادى عليهم بالعجز في العالمين: (قُل لَّئِنِ