فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 403

في الأعيان، ولهذا قال ثعلب: وتقول في الأمر والدين عوج وفي العصا ونحوها عوج، كالجبال والأرض، فكيف صح فيها المكسور في قوله تعالى: (لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا) [طه: 107] ؟

قلنا: قال ابن السكيت: كل ما كان مما ينتصب كالحائط والعود قيل فيه عوج بالفتح، والعوج بالكسر ما كان في أرض أو دين أو معاش، فعلى هذا لا إشكال.

الثاني: أنه أراد به نفي الاعوجاج الذي يدرك بالقياس الهندسي ولا يدرك بحاسة البصر، وذلك اعوجاج لاحق بالمعاني، فلذلك قال فيه عوج بالكسر، ومما يوضح هذا أنك لو سويت قطعة أرض غاية التسوية بمقتضى نظر العين بموافقة جماعة من البصراء، واتفقتم على أنه لم يبق فيها عوج قط، ثم أمرت المهندس أن يعتبرها بالمقاييس الهندسية وجد فيها عوجا في غير موضع؛ ولكنه عوج لا يدرك بحاسة البصر. فنفى الله تعالى ذلك العوج لما لطف ودق عن الإدراك، فكان لدقته وخفائه ملحقا بالمعاني.

[684] «1» فإن قيل: إن الله تعالى أخبر أن آدم عليه السلام نسي عهد الله ووصيته، وأكل من الشجرة بقوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ) [طه: 115] وإذا كان فعل ذلك ناسيا فكيف وصفه بالعصيان والغواية بقوله تعالى: (وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى) [طه: 121] فعاقبه عليه بأعظم أنواع العقوبة، وهو الإخراج من الجنة؟

قلنا: النسيان هنا بمعنى الترك كما في قوله تعالى: (إِنَّا نَسِيناكُمْ) [السجدة:

14]أي تركناكم في العذاب، وقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: 67] فمعناه أنه ترك عهد الله ووصيته، فكيف يكون من النسيان الذي هو ضد الذكر، وقد جرى بينه وبين إبليس من المجادلة والمناظرة في أكل الشجرة فصول كثيرة منها قوله: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ) [الأعراف: 20] الآية فكيف يبقى مع هذا نسيان؟

[685] فإن قيل: كيف قال الله تعالى: (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى) [طه:

117]ولم يقل فتشقيا، والخطاب لآدم وحواء عليهما السلام؟

قلنا: لوجوه:

أحدها: أن الرجل قيم أهله وأميرهم، فشقاؤه يتضمن شقاءهم كما أن معاداته تتضمن معاداتهم، فاختصر الكلام بإسناد الشقاء إليه دونها لما كان متضمنا له.

الثاني: أنه إنما أسنده إليه دونها للمحافظة على الفاصلة.

(1) ( [684] ) تفسير المصنف النسيان هنا بمعنى الترك، في حق آدم عليه السلام، فيه جرأة على مقام الأنبياء، ولا ندري ما الذي ألجأه إليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت