الصفحة 107 من 125

حياة الكائن الانساني في القرآن تستدعي تأملًا كثيرًا في كل منحنياتها، وتستدعي إنتباه الباحث الموضوعي في تناثر جزئياتها، فهذا الكائن دون سواه قد حضي بالتكريم الإلهي، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا(70 ) ) (1) . والعلة في هذا التكريم إعتباره الخلق الأول في حياة الأرض، كما هو ظاهر القرآن، وهذا الخلق يمتاز بالدقة في التركيب، والحسن بالتقويم، والابداع في التصوير.

هذا الخلق الجديد ذو طابعين: طابع إعجازي لا عن مثيل، وطابع فطري في سنة الحياة يقترن بالتزاوج والتناسل بين الذكر والأنثى بتلاقح الحويمن المنوي المذكّر بالبيضة المخصبة الأنثوية، لينتج ذلك كائنًا ناطقًا عاقلًا مفكرًا من جماد، لا أهلية له من نطق أو عقل أو إرادة أو تفكير، وهذا ما جلب إنتباه فيلسوف المعرّة أبي العلاء المعري فقال:

والذي حارث البريةُ فيهِ ... حَيَوانٌ مستحدثٌ من جماد (2)

ولكل من هذين الملحظين المهمين في تكوين الإنسان حديث يتناول أبعاده الأولى والمتطورة على حد سواء، حتى لحظات الموت وحياة البرزخ وقيام الساعة.

وقد بدأ هذا الإبداع الإلهي بما حكاه الله تعالى في كتابه: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا

(1) الإسراء: 70.

(2) طه حسين، تجديد ذكرى أبي العلاء: 170.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت