الصفحة 11 من 125

وتحقيق الزيادة في أولية الاستقراء والاستنباط. إذ قد يتوصل الكثيرون إلى ذلك فيما بعد بنظام أفضل، ومواصفات متكاملة، فيكون الرائد في الاكتشاف أو الاختراع قد سبق الآخرين وحقق ما لم يحققوه دون إعجاز كما هي الحال في التقنيات الحديثة؛ وإنما الإعجاز هي التفرد بالشيء في محور إلهي على يد الأنبياء بين يدي رسالاتهم على سبيل التحدي، فالسبق إلى الاكتشاف كيفية مشتركة بين فرد أو جماعات على نحو الإبتكار، لا على سبيل التحدي، والمعجزة مختصة بالنبي على سبيله، فالمبتكر - إذن - يحقق سبقًا علميًا، والمتحدي يحقق إعجازًا إلهيًا، وفرق بين الأمرين.

والمعجزة الإلهية في هذا الملحظ على نوعين: وقتية ودائمية، وجميع معاجز الأنبياء وقتية - كما يدل عليه الاستقراء - ذهبت بذهابهم، إلا معجزة محمد وهي القرآن فإنها باقية ما بقي الدهر؛ على أن النبي قد شارك سائر الأنبياء في معاجزهم الموقوتة، فكان له انشقاق القمر وتسبيح الحصى، وسعي الأشجار، وشهادة الغيب ... الخ.

ومعجزة كل نبي شيء ورسالته شيء آخر، فمعجزة موسى 7 في العصا واليد البيضاء والآيات البينات، ولكن رسالته هي التوراة. ومعجزة عيسى في إبراء الاكمه والابرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى، ولكن رسالته هي الانجيل، إلا نبينا محمد فإن معجزته عين رسالته، ورسالته هي معجزته، وهما معًا القرآن (1) .

وبراعة الإعجاز تتجلى في ملائمة قضية الإعجاز لكل نبي بما يلائم عصره، وينسجم مع فنون جيله، ويعزى إلى حياة قومه فيما هو طبيعي أو خارق دون تحد.

وكان الامام علي بن موسى الرضا 7 أول من نبه إلى هذه الحقيقة العالية فيما رواه ابن السكيت (ت: 244 ه‍) قال ابن السكيت للإمام الرضا 7: «لماذا بعث الله موسى بن عمران 7 بالعصا ويده البيضاء، وآلة السحر؟ وبعث عيسى بآلة الطب؟ وبعث محمدًا 6 بالكلام والخطب؟ فقال الإمام الرضا: إن الله لمّا بعث موسى 7 كان الغالب على أهل

(1) ظ: مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية: 130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت