من خلال هذا الاختصار فيما قدمت، تجد التفاعل الحضاري قائمًا بين كتاب الله وعلم البلاغة العربية الذي هو جزء متسلسل عن القرآن، ويتعرف الباحث بتأكيد بالغ أن هذا العلم إنما قام ونهض وترعرع - فضلًا عن نشوئه - من أجل إثبات بلاغة القرآن، فكل بلاغة دونها، وكل بليغ لا يصل إليه ولا يواكب تلاطم أمواجه، مما يدفع ما وسم به هذا التراث العربي الإسلامي المحض من سمات لا أساس لها، فلا الأصل اليوناني ينطلق من واقع علمي، ولا الأثر الاعجمي بحقيقة تأريخية، بل البلاغة في أصولها وفروعها وتضاعيفها مستندة إلى القرآن في ينابيعه الأولى، فالعربي على فطرته البدوية الصافية تهزه الكلمة العذبة، وتطربه العبارة الفصيحة، وتمتلك نفسه الاستعارة الهادفة، وتسترعيه الكناية المهذبة، ويستهويه التشبيه المعبر، ويقف عند المجاز السيّار، وكان ذلك من بركات القرآن وجليل آثاره البيانية، وسبق فنه القولي فنون العرب في الأداء والاسلوب والنظم ورصانة التأليف.
لقد بهر العرب بجمال القرآن وروعه، ونظروا إلى التغيير الجذري الذي أحدثه هذا الوحي الهادر ليس في العادات المفاهيم والتقاليد فحسب، بل في القول وفنون الكلام والنظم البياني، فقد نظروا إلى لغتهم وهي تتجه - فجأة - نحو الاستقامة والاستقرار والصعود، فحدبوا على عطاء هذه اللغة يختزنونه، وعمدوا إلى مرونتها يستغلونها إستغلال يسر وسماح، فكان هذا المخزون جمالًا بلاغيَّا لا يبلى، وكان ذلك الاستغلال موروثًا بيانيًا لا ينفد، وما ذاك إلا نتيجة إستجلائهم دلالات القرآن الادبية، وتغلغلهم بأعماق فنونه البلاغية، فالقرآن إلى جانب عطائه اللغوي والاسلوبي قد خلص اللغة من فجاجة الوحشي والغريب، وهذّب طبع ألفاظها من التنافر والتعقيد، فلم يعد العربي بعد بحاجة إلى إقصاء ذلك وإستبعاده، فكأنه لم يكن، فقد تكفل القرآن بتذليل الصعاب.
العرب اليوم مدعوون إلى تأكيد هذا التلاحم الفاعل بين كتاب الله تعالى وبين الفن البلاغي، وذلك بالكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه، وإستكناه وجوه الإعجاز البياني في ظلال آياته، إذ لا شوائب في لغة القرآن وألفاظه، ولا معاناة في تحسس جماله العام، والجهد الكبير المتواصل