بالتحريم الخاص في صورة النصيحة: (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) . وقوله تعالى: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا إلى سكر النوم، ثم بالتحريم الخاص بالتشديد البالغ في آيتي المائدة» (1) .
والآية الأولى من سورة المائدة إعتبرت الخمر رجسًا من عمل الشيطان الخاص به، وعمل الشيطان يدعو إلى الضلال، وأكدت ذلك «بإنما» حصرًا، وطلبت الاجتناب أمرًا، وعلقت على هذا الاجتناب رجاء الفلاح والسعادة الأبدية، وعقبت ذلك بأن الشيطان في رجسه هذا يريد إيقاع العداوة والبغضاء بين بني البشر، ويصد الناس عن ذكر الله، وختم ذلك بقوله: (فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ) دلالة على أن طائفة من المسلمين لم ينتهوا عن شرب الخمر وسواها حتى قرعوا بهذا الإستفهام الإنكاري تأنيبًا وتوبيخًا.
والحق أن تحريم الخمر على هذا النمط من التدرج تقتضيه طبيعة المناخ الجاهلي والبيئة العربية لارتباطهما بالخمرة أدبيًا وإجتماعيًا وتجاريًا مما يقتضي التدرج من الصعب إلى الأصعب فقد كان شعر الخمر شائعًا في العصر الجاهلي يتغنى به وتحيا به الأندية والمحافل، وكانت المقدمة الخمرية متعارفة في التناول والتدوال والايقاع الفني، ولا أدل على ذلك من مطلع معلقة عمرو بن كلثوم: (2)
ألا هبي بصحنك فأصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا
على أن النماذج المروية لنا في الخمرة قليلة بالنسبة لغيرها، والتعليل لهذه الظاهرة أن الإسلام حينما حرم الخمر إمتنع الرواة من رواية الشعر المتمثل لها وبها.
ومن جهة أخرى فإن الخمرة مرتبطة بالسلوك الاجتماعي والمسيرة العرفية في المحفل الجاهلي لدى التشريفات والسهرات تقديمًا ومعاقرة وإستئناسًا، ولذا كان الاقلاع عنها - والإسلام قريب عهد بالجاهلية - يدعو
(1) الطباطبائي، الميزان: 6/ 117.
(2) الزوزني، شرح المعلقات السبع: 165.