وقال أناس من النحويين: إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك، وينشدون:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
فيجري مجرى الإعطاء، وقال لبيد:
بَادَرْتُ حَاجَتَها الدَّجَاج
وفسروه على حاجتي إليها، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر، وليست مصادر حقيقة.
وزعم الأخفش: أن من العرب من يؤنث الهدى.
ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله عز وجل {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ} [البقرة: 198] ، [أي من قبل هداه] .
وقوله تعالى: {لِلْمُتَّقِينَ} . الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان أقربنا إلى العدو. فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد بها العصاة.
وكان (اتقى) في الأصل (اوْتقى) لأنه (افتعل) من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو، كالاتزان من الوزن، والاتضاح من
الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) الافتعال بعدما صارت (تاء) ، فتولدت التشديدة لذلك.
وقال أبو الفتح الموصلي: إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا) ، فإن (واوه) تقلب (تاء) ، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) و (اتَّلج) (اتَّصف) .
والعلة في قلب هذه الواو (تاء) ، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء) ، فيقولوا: (ايتقى) وإذا انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) ، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا) ، فقالوا: (ياتقي) ، فلما كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها مرة (ياء) ومرة (ألفا) ، ومرة (واوا) ، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا