فهرس الكتاب
(( ومما يوقدون عليه فِي النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) ).
فالزبد ليس حادثا فِي (( الطبيعة ) )فقط، بل فيما يصنع الإنسان كذلك0 فالناس يوقدون على الذهب والفضة، ليصهروهما، ثم يشكلون من المادة المنصهرة حلياً ومتاعا متعدد الأشكال، ولكن ظاهرة الزبد تلاحقهم أيضا فيما يصنعون00 وإلى هنا تقرر حقيقة جديدة: أن الزبد ظاهرة ملازمة سواء فِي الطبيعة التي خلقها الله، أو فيما يصنع الإنسان بيده0.
ويبدأ المثل يتشكل بصورة أوضح، وذلك حين يقول الله سبحانه وتعالى: (( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) ). فالحق والباطل موجودان متجاورين متلازمين فِي حياة الناس، بقدر من الله، ولكن لفترة من الوقت، ولمرحلة من المراحل00 ثم يأتى ما قدره الله وما قرره منذ الأزل (( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فِي الأرض ) )وتلك هي النهاية التي تستقر فيها الأمور فِي وضعها الأخير0.
ولكى ندرك مرمى المثل لابد أن نشير إلى واقع الدعوة فِي الفترة المكية، وإلى حال المؤمنين يومئذ (1) .
كان الباطل منتفشا فِي مكة، والمشركون ظاهرين، يجولون ويصولون، مزهوين بكثرتهم وقوتهم وغلبتهم على المؤمنين وقهرهم لهم0 والمؤمنون فِي ضعفهم وذلهم وهوانهم على الناس كما وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاله وهو يشكو حاله إلى الله: (( إليك أشكو ضعفى وذلتى وهوانى على الناس ) )،والعذاب يصب عليهم صبا من جانب المشركين0.
هنا مضرب المثل فِي صورتين: صورة الرابى فوق الماء، والزبد المغشى للذهب والفضة المصهورتين0.
ويريد الله سبحانه وتعالى أن يسرى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن المؤمنين الغارقين فِي العذاب0 إن ما هم فيه ليس هو نهاية المطاف! إنها مرحلة موقوتة00 ثم يتبدل الحال!
(1) سورة الرعد مختلف فِي كونها مدنية أم مكية، ويغلب على ظنى، كما بينت فِي كتاب (( دراسات قرآنية - أنها مكية تحوى آيات مدنية. والله أعلم 0