فهرس الكتاب
... ولقد كنا حتى هذه اللحظة فِي مناسبة نص واحد من النصوص القرآنية التي تعرض آيات الله فِي الكون، وهو قوله تعالى: (( إن فِي خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجرى فِي البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ) ) (1) . وتطرق بنا الحديث عن هذا النص الواحد إلى النماذج المتعددة التي تتحدث عن المفردات الواردة فِي هذا النص الحاشد. ولكن هذا النص ليس هو الوحيد فِي كتاب الله فِي شموله لآيات عدة من آيات القدرة الربانية .. ولو ذهبنا نتتبع كل النماذج لتشعب بنا الحديث أكثر. إنما أردنا فقط بإيراد هذا النص أن نفتح الباب للتأمل فِي تنوع المشاهد وتعددها حتى وإن بدت لأول وهلة مكررة، وتعدد الأجواء التي تعرض فيها المشاهد، وكيف أنها تعطى فِي كل مرة تأثيرا مختلفا فِي النفس، وإيقاعا مختلفا على أوتار القلب، فيظل القلب فِي تلق دائم لتلك الإيقاعات التي تجيئه من كل صوب، وتدخل إليه من كل مدخل، فلا يملك أن يتجاهلها أو ينصرف عن دلالتها0.
* * *... ولكن مداخل النفس كثيرة كما أسلفنا. وكل الأمثلة التي أشرنا إليها حتى الآن هي فِي مجال آيات الله فِي الكون، سواء من جهة الضخامة المعجزة فِي هذا الكون، أو الدقة المعجزة فيه. ولكن القدرة الربانية لها مجالات متعددة، وليست مجالا واحداً. وكلها مؤثر. وكلها موقظ للفطرة، لا يدع لها مجالا لأن تغفل عن الحقيقة العظمى فِي هذا الوجود، وهي حقيقة الألوهية0... وقد أشرنا من قبل إلى ظاهرة الموت والحياة، وقلنا إنها من أشد ما يوقظ الفطرة إلى حقيقة الألوهية، بعد الإعجاز البادى فِي الكون المادى سواء بضخامته أو دقته التي تروع الحس البشرى.
(1) سورة البقرة: 164 0