والجاهلية العربية التي خوطبت بهذا القرآن أول مرة لم تكن تمارى فِي قضية العجز البشرى، وقدرة الله التي لا يعجزها شىء. وقد سجل القرآن عليهم إقرارهم لله بالخلق والقوة والتدبير:
(( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون(84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون )) (1) .
إنما كانت مشكلتهم الكبرى كما أشرنا من قبل هي توهم وجود آلهة أخرى مع الله، واعتقاد أن لها شفاعة مستجابة عند الله، وتوجيه ألوان من العبادة لها مع الله أو من دونه، سواء كانت اعتقادا بألوهيتها، أو توجها لها بالدعاء أو الصلاة أو الذبح أو النذر أو الاستغاثة أو الاستعانة0.
ولقد ركز القرآن على دحض هذه الأوهام تركيزاً شديدا حتى تتمحض العبادة لله وحده دون شريك:
(( قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون(59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسى وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أغله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم فِي ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )) (2) .
(1) سورة المؤمنون: 84 - 89 .
(2) سورة النمل: 59 - 64