فهرس الكتاب
وإذا كان الأمر كذلك فلا علاج إلَّا ببتر من استكن فِي قلبه الحسد ، وصار من شأنه التعدي استجابة له ، والاعتبار فِي النظم لصلاح الجماعة لا لصلاح الآحاد فقط ، ولذلك قال الله تعالى عقب ذكر قصة ولدى آدم: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة: 32] .
وإنا لنرى هذا القصص المحكم قد ارتبط فيه الحكم بسببه ، فهو فِي جزء من القصص ذكر سبحانه ما كان بين الأخ وأخيه من محاربته فطرة الأخوة الرابطة ، وأنه حمل نفسه حملًا على ارتكاب جريمته ؛ إذ هي مخالفة للطبائع السليمة ، ولذلك قال سبحانه وتعالى: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُه} حتى إذا تمَّت الجريمة رأى بشاعتها فِي جثة أخيه ، فأراد أن يواريه فضَلَّ ، حتى رأى غرابًا هو أحنّ على أخيه منه ، وهو أعلم كيف يواري سوءة أخيه.
وما كانت أمور الناس لتترك فوضى ، يجرم من يجرم ثم يندم ، فكانت شريعة القصاص ؛ لأن الاعتداء بالقتل اعتداء على حق الحياة فِي كل إنسان ، ومن قتل نفسًا بغير حق فهو على استعداد لقتل غيرها ، ففي عمله تعريض النفوس الإنسانية لاعتداء المعتدين المفسدين ، ومن أحياها بالقصاص من القاتل ، فكأنما أحيا الناس أجمعين ، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة} [البقرة: 179] .
وإن هذا يدل على أن شريعة القصاص شريعة أزلية خالدة باقية ، وأنها كانت فِي الشرائع السابقة ، ولم تخل شريعة من شرائع النبيين الكرام منها ، ولقد ذكرت بحكمتها ونتيجتها ، وهي إحياء للأمة وإهمالها إماتة لها.
ولا شك أنَّ ذلك تصريف بياني قرآني فِي بيان الأحكام: