وقال: {مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ...} [القصص: 71] ولم يقُلْ: مَنْ يأتيكم بضياء ليلفت نظرنا إلى أن هذه المسألة لا يقدر عليها إلا إله ، ولا إله إلا الله ، وفي الضياء تبصرون الأشياء ، وتسيرون على هُدىً ، فتؤدون حركات حياتكم دون اصطدام أو اضطراب ، وبالضياء أعايش الأشياء في سلامة لي ولها ، وإلاَّ لو سرْنا في الظلام لتحطمنا أو حطّمنا ما حولنا ؛ لأنك حين تسير في الظلام إمّا أنْ تحطم ما هو أقل منك ، أو يحطمك ما هو أقوى منك .
وكما يكون الضياء في الماديات يكون كذلك له دور في المعنويات ، وضياء المعنويات القيم التي تحكم حركة الحياة وتعدلها ، وتحميك أنْ تُحطِّم مَنْ هو أضعف منك ، أو أنْ يُحطمك الأوقى منك ؛ لذلك كان منطقياً أن يقول تعالى: {هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور ... .} [الأحزاب: 43] .
والمراد: من ظلمات المعاني إلى نور القيم ، لا ظلمات المادة لأنني لا أستغني عنه لراحتي ، فله مهمة عندي لا تقلّ عن مهمة النور لذلك يقول تعالى في وصفه لنوره عز وجل {نُّورٌ على نُورٍ ...} [النور: 35] .
نور مادي تُبصرون به الأشياء من حولكم ، فلا تتخبطون بها ، فتسلَم حركتكم ، وهذا النور المادي يشترك فيه المؤمن والكافر ، وينتفع به المطيع والعاصي ، فلم يضِنّ به على أحد من خَلْقه ، أما النور المعنوي نور الهداية ونور اليقين والقيم ، فهذا يرسله الله على يدَيْ رسُله ، فإذا أخذ المؤمن النورين انتفع بهما في الدنيا ، وامتد نفعه بهما إلى يوم القيامة ؛ لذلك قال بعدها:
{يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ ...} [النور: 35] .
ولأن الآية الكريمة بدأت بقُلْ ، فمن المناسب أنْ تختم بقوله تعالى: {أَفَلاَ تَسْمَعُونَ ...} [القصص: 71] يعني: اسمعوا ما أقول لكم وتدبروه .