وقرأ الجمهور: {صَيْحَةً} بالنصب، على أن {كان} ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق، كما قدمنا. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، والأعرج ومعاذ القارئ {صيحةٌ} بالرفع على أنّ {كان} تامة؛ أي: ما حدثت أو ما وقعت إلا صيحة واحدة. وكان الأصل أن لا يلحق التاء؛ لأنه إذا كان الفعل مسندا إلى ما بعد إلا من المؤنث لم تلحق العلامة للتأنيث، فيقال: ما قام إلا هند، ولا يجوز (ما قامت إلا هند) عند أصحابنا إلا في الشعر. وجوّزه بعضهم في الكلام على قلّة، ومثله قراءة الحسن، ومالك بن دينار، وأبي رجاء، والجحدري، وقتادة، وأبي حيوة، وابن أبي عبلة، وأبي بحرية {لا ترى إلا مساكنهم} بالتاء. والقراءة المشهورة {لا يرى} بالياء، فأنكر أبو حاتم، وكثير من النحويين هذه القراءة، أعني: قراءة الرفع، بسبب لحوق تاء التأنيث في قوله: {إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً} . قال أبو حاتم: فلو كان كما قرأ أبو جعفر .. لقال: إن كان إلا صيحة. وقدّر الزجاج هذه القراءة بقوله: إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة، وقدّرها غيره: ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة، وقرأ عبد الله بن مسعود: إن كانت إلا زقية واحدة. والزقية: الصيحة. قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف.
30 - {يا حَسْرَةً} يا ندامة {عَلَى الْعِبادِ} المصرين على العناد تعالي، فهذا أوانك ووقت ظهورك، فهذه من الأحوال التي حقّها أن تحضري فيها، وهي ما دل عليه قوله تعالى: {ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ} ، فإن المستهزئين بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين، أحقاء بأن يتحسروا ويتحسّر عليهم المتحسرون، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين. والمراد بالعباد هنا: مكذبو الرسل؛ أي: يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة، إذا عاينوا العذاب على تكذيبهم رسل الله ومخالفة أوامره.
ثم بيّن سبب الحسرة والندامة، فقال: {ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ ...} الخ؛ أي: ما جاءهم رسول إلا استهزؤوا به، وكذبوه، وجحدوا ما أرسل به من الحق.