وهذه الآية: بيان لرجوع الكل إلى المحشر، بعد بيان عدم الرجوع إلى الدنيا، وأن من مات ترك على حاله، ولو لم يكن بعد الموت بعث وجمع وحبس وعقاب وحساب، لكان الموت راحة للميت، ولكنه يبعث ويسأل، فيكرم المؤمن، والمخلص، والصالح والعادل، ويهان الكافر، والمنافق، والمرائي والفاسق، والظالم. فيفرح من يفرح، ويتحسر من يتحسر، فللعباد موضع التحسر إن لم يتحسروا اليوم.
وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر: بتشديد {لما} ، وباقي السبعة بتخفيفها، فمن شددها كانت عنده بمعنى إلا، و {إِنْ} نافية، ومن خفف {لما} جعل {إِنَّ} مخففة من الثقيلة، واللام في {لَمَّا} فارقة، و {ما} زائدة.
فائدة: وقال أبو عبد الله الرازي في كون لما بمعنى: إلا معنى مناسب، وهو أن {لَمَّا} كأنها حرفا نفي جميعًا، وهما: لم وما، فتأكد النفي، وإلا كأنها حرفا نفي: «إن ولا» ، فاستعمل أحدهما مكان الآخر، انتهى. والمعنى؛ أي: وإن جميع الأمم ماضيها، وحاضرها، وآتيها ستحضر يوم القيامة بين يدي الله، فيجازيهم بأعمالهم خيرها وشرها، ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحة له، وما أحسن قوله:
ولو أنّا إذا متنا تركنا ... لكان الموت راحة كُلِّ حَيِّ
وَلكنَّا إذَا مِتنا بُعثنا ... وَنُسأل بعدها عن كلِّ شَيِّ
ونحو الآية قوله تعالى: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ} .
والخلاصة: أن الناس يجمعون للحساب والجزاء، ويوفى كل عامل جزاء عمله من خير أو شر.