فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 6886 من 466147

العرب ، وكان هدمه بناء جديداً جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها ، وبذلك أحكم عمل

الوراثة الذي تعمله فِي الغرائز والطباع ، إذ تبني بالهدم ، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ ؛ وهذا

هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي . وبين شيء يسمى ممكناً وشيء يسمى معجزاً .

بلى ، ولقد يخيل إليَّ أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي

لا تزال تطيف بالرؤوس .

فما بين العقل وبين أن تلجه هوَادة ، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه

منزلة ، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظراً يقبلونه أو يردونه ،

ولكنهم يرونه ضرورةَ مقضِية ليس لهم على حالٍ بد من قبولها . وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة

وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم ، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب

بعضهم الذلة على بعض ؛ ولم يتخذوا السيف ناباً إلا ليأكلهم ، ولا الحرب ضرساً إلا لتمضغهم . .

وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم فِي تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية .

ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت ، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين ، إن يكن منها فهو

لَعَمرُك استخذاء ، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء ...

ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح ، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم ، وساوى

بين نفوسهم ، وأجرأهم على المعدلة فِي أمورهم ، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت ، لأنها لا توجهه إلا لله ، فكان بينها وبين الله كل ما تحت السماء .

ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية ، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية فِي الألسنة ، ثم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت