فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
العرب ، وكان هدمه بناء جديداً جعل الأمة نفسها قائمة على أطلال نفسها ، وبذلك أحكم عمل
الوراثة الذي تعمله فِي الغرائز والطباع ، إذ تبني بالهدم ، وتقيم التاريخ من أنقاض التاريخ ؛ وهذا
هو الفرق بين العمل الإنساني والعمل الإلهي . وبين شيء يسمى ممكناً وشيء يسمى معجزاً .
بلى ، ولقد يخيل إليَّ أن ألفاظ القرآن كانت تلبس العرب حتى تتركهم كالمعاني السائرة التي
لا تزال تطيف بالرؤوس .
فما بين العقل وبين أن تلجه هوَادة ، ولا بين الوهم وبين أن تصدعه
منزلة ، وكل ما يجيء من قبل الطبع وعلى حكم الفطرة لا يراه أهله نظراً يقبلونه أو يردونه ،
ولكنهم يرونه ضرورةَ مقضِية ليس لهم على حالٍ بد من قبولها . وإلا فأي قوم كان هؤلاء الجفاة
وهم لم يستصلحوا أنفسهم إلا بما يفسد جماعتهم ، ولم يأبوا أن يرأموا لذل غيرهم إلا ليضرب
بعضهم الذلة على بعض ؛ ولم يتخذوا السيف ناباً إلا ليأكلهم ، ولا الحرب ضرساً إلا لتمضغهم . .
وكانا أهل جزيرة واحدة وكأنهم فِي تناكرهم أهل الأرض كلها من قاصية إلى قاصية .
ثم ما عسى أن يكون أمرهم إذا هم قرعوا صفاة الأرض والحال فيهم ما علمت ، إلا ما يكون من أمر الحصاة يقرع بها الطود الأشم ثم تنحدر عنه بصوت كالأنين ، إن يكن منها فهو
لَعَمرُك استخذاء ، وإن كان من الجبل فهو لعمري استهزاء ...
ولقد كان من إعجاز القرآن أن يجمع هؤلاء الذين قطعوا الدهر بالتقاطع على صفة من الجنسية لا عصبية فيها إلا عصبية الروح ، إذ أخذهم بالفطرة حتى ألف بين قلوبهم ، وساوى
بين نفوسهم ، وأجرأهم على المعدلة فِي أمورهم ، فجعل منهم أمة تسع الأمم بوجهها كيف أقبلت ، لأنها لا توجهه إلا لله ، فكان بينها وبين الله كل ما تحت السماء .
ومن هذا المعنى نشأت الجنسية العربية ، فإن القرآن بدأ كما علمت بالتأليف بين مذاهب الفطرة اللغوية فِي الألسنة ، ثم