وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ: إِنَّ الَّذِينَ رَأَوُا الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ أَنْفُسِهِمْ هُمُ الْمُسْلِمُونِ غَيْرَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ رَأَوْهُمْ عَلَى مَا كَانُوا بِهِ مِنْ عَدَدِهِمْ، لَمْ يُقَلَّلُوا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَيَّدَهُمْ بِنَصْرِهِ، قَالُوا: وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْيَهُودِ: قَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ عِبْرَةٌ؛ يُخَوِّفُهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِنْهُمْ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِأَهْلِ بَدْرٍ عَلَى أَيْدِيهِمْ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ} "أُنْزِلَتْ فِي التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ} وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ سِتَّةً وَعِشْرِينَ وَسِتَّمِائَةٍ، فَأَيَّدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، فَكَانَ هَذَا الَّذِي فِي التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ خِلَافُ مَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ عِدَّةِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي عَدَدِهِمْ عَلَى وَجْهَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ عَدَدُهُمْ أَلْفًا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:"أَسَرْنَا رَجُلًا مِنْهُمْ يَعْنِي مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُلْنَا: كَمْ كُنْتُمْ؟"قَالَ: أَلْفًا.
وقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَالْمُشْرِكُونَ مَا بَيْنَ التِّسْعِمِائَةِ إِلَى الْأَلْفِ» فَكُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا مُخَالِفُونَ الْقَوْلَ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَإِذَا كَانَ مَا قَالَهُ مَنْ حَكَيْنَاهُ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ عَدَدَهُمُ كَانَ زَائِدًا عَلَى التِّسْعِمِائَةِ، فَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ الَّذِي قُلْنَاهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَيْنَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ.