وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي طَلَائِعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَهُمْ فِي وَجْهٍ، ثُمَّ غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلَائِعِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُعَلِّمُهُ فِيهَا أَنَّ فِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ خَطَأٌ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ أَنْ يَقْسِمَ لِلطَّلَائِعِ مِثْلَ مَا قَسَمَ لِغَيْرِهِمْ، وَيُعَرِّفُهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنَ الْحُكْمِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخُصَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا أَحَدًا مِمَّنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ أَوْ مِمَّنْ كَانَ رِدْءًا لَهُمْ فِي غَزْوِهِمْ دُونَ أَحَدٍ.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
يَقُولُ:"مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَقْسِمَ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتْرُكَ طَائِفَةً وَيَجُورَ فِي الْقَسْمِ، وَلَكِنْ يَقْسِمُ بِالْعَدْلِ، وَيَأْخُذُ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَيَحْكُمُ فِيهِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهِ، يَقُولُ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلُّ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، اسْتَنُّوا بِهِ"
وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ: إِنَّمَا أَنْزَلَ ذَلِكَ تَعْرِيفًا لِلنَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا يَكْتُمُ مِنْ وَحْيِ اللَّهِ شَيْئًا
فَتَأْوِيلُ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ غَالًّا، بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ خِيَانَةُ أُمَمِهِمْ، يُقَالُ مِنْهُ: غَلَّ الرَّجُلُ فَهُوَ يَغُلُّ، إِذَا خَانَ، غُلُولًا، وَيُقَالُ أَيْضًا مِنْهُ: أَغَلَّ الرَّجُلُ فَهُوَ يَغُلُّ إِغْلَالًا، كَمَا قَالَ شُرَيْحٌ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ، يَعْنِي غَيْرَ الْخَائِنِ؛ وَيُقَالُ مِنْهُ: أَغَلَّ الْجَازِرُ: إِذَا سَرَقَ مِنَ اللَّحْمِ شَيْئًا مَعَ الْجِلْدِ.