"نزلتْ عَلَيْهِ وَهُوَ واقفٌ بعرفةَ حِينَ اضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، وَهُدِمَ مَنَارُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ". فَذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِكْمَالَ الدِّينِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِيمَا يُرْوَى قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِحْدَى وَثَمَانِينَ لَيْلَةً.
8 -قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَذَلِكَ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
فَلَوْ كَانَ الإيمانُ كَامِلًا بِالْإِقْرَارِ، ورسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ فِي أَوَّلِ النُّبُوَّةِ كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ مَا كَانَ لِلْكَمَالِ مَعْنًى، وَكَيْفَ يُكَمِّلُ شَيْئًا قَدِ اسْتَوْعَبَهُ وَأَتَى عَلَى آخِرِهِ؟!
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَإِنْ قَالَ لَكَ قائل: فما هذه الأجزاء الثلاثة وسبعون؟
قِيلَ لَهُ: لَمْ تُسَمَّ لَنَا مَجْمُوعَةً فَنُسَمِّيَهَا، غَيْرَ أَنَّ الْعِلْمَ يُحِيطُ أَنَّهَا مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَتَقْوَاهُ، وَإِنْ لَمْ تُذْكَرْ لَنَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ تَفَقَّدْتَ الْآثَارَ لوجِدت مُتَفَرِّقَةً فِيهَا، أَلَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ فِي إِمَاطَةِ الْأَذَى وَقَدْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنَ الْإِيمَانِ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ:"الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"، وَفِي الثَّالِثِ:"الْغَيْرَةُ مِنَ الْإِيمَانِ"، وَفِي الرَّابِعِ:"الْبَذَاذَةُ مِنَ الْإِيمَانِ"، وَفِي الْخَامِسِ:"حُسْنُ الْعَهْدِ من الإيمان".
فَكُلُّ هَذَا مِنْ فُروع الْإِيمَانِ.
وَمِنْهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ:"ثلاثٌ مِنَ الْإِيمَانِ: الْإِنْفَاقُ مِنَ الإقتارِ، والإنصافُ مِنْ نفسِك، وبذلُ السَّلَامِ عَلَى العالَم".
ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ ذِكْرِ كَمَالِ الْإِيمَانِ حِينَ قَالَ:"أَيُّ الْخَلْقِ أَعْظَمُ إِيمَانًا؟ فَقِيلَ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ قِيلَ نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فقال بل قوم يأتون بعدكم".
فَذَكَرَ صِفَتَهُمْ.