وأما احتمال وقوع التحريف من الشيخين عمدا، في آيات تمس بزعامتهما فهو أيضا مقطوع بعدمه، فإن أمير المؤمنين - عليه السلام - وزوجته الصديقة الطاهرة - عليها السلام - وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة، واحتجوا عليهما بما سمعوا من النبي r واستشهدوا على ذلك من شهد من المهاجرين والأنصار، واحتجوا عليه بحديث الغدير وغيره) ( [97] ) .
وأضاف قائلا: ( وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان فهو أبعد من الدعوى الأولى:
1 -لان الإسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحو ليس في إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئا، ولا في إمكان من هو أكبر شأنا من عثمان.
2 -ولأن تحريفه إن كان للآيات التي لا ترجع إلى الولاية، ولا تمس زعامة سلفه بشئ، فهو بغير سبب موجب، وإن كان للآيات التي ترجع إلى شئ من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لأن القرآن لو اشتمل على شئ من ذلك وانتشر بين الناس لما وصلت الخلافة إلى عثمان.
3 -ولأنه لو كان محرفا للقرآن، لكان في ذلك أوضح حجة، وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله علنا، ولما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين، وإلى ما سوى ذلك من الحجج.
4 -ولكان من الواجب على علي u بعد عثمان أن يرد القرآن إلى أصله، الذي كان يقرأ به في زمان النبي r وزمان الشيخين ولم يكن عليه في ذلك شئ ينتقد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثرا في مقصوده وأظهر لحجته على الثائرين بدم عثمان، ولاسيما أنه u قد أمر بإرجاع القطائع التي أقطعها عثمان. وقال في خطبة له:"والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق".
هذا أمر علي في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرفا، فيكون إمضاؤه u للقرآن الموجود في عصره، دليلا على عدم وقوع التحريف فيه.