وإنما احتيج إلى زيادة التأكيد في القرآن لكونه كتاب الله تعالى وأعظم معجزة لسيدنا محمد r المبعوث إلى الخلق كافة إلى يوم القيامة. ولكونه المعجزة الباقية من بين سائر معجزاته إلى يوم الدين. لتكون للمتأخرين دليلًا ساطعًا على نبوته وبرهانًا قاطعًا على رسالته. ولكونه أساس الشريعة الإسلامية وإليه ترجع سائر الأدلة الشرعية في ثبوت اعتبارها في نظر الشارع. وثبتت به جميع العقائد الدينية التي لا بد منها وأمهات الأحكام الفرعية. ويترتب على ضياعه ضياع هذه الأمور كلها وتقويض الشريعة جميعًا. ولكونه قد تعبدنا الله بتلاوة لفظه في الصلاة وغيرها ولم يجز لنا أن نبدل حَرْفًا منه بحرف آخر) ( [73] ) .
انقضى العهد النبوي السعيد والقرآن مجموع على هذا النمط، دون أن يجمع ويكتب على الصورة التي نجدها للمصحف اليوم.
قال الخطابي: ( إنما لم يجمع r القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق بمشورة عمر) ( [74] ) .
روى الإمام أحمد في مسنده بأن النبي r كان هو الذي يقرر ترتيب الآيات، فيقول: ( ضعوا الآية كذا في موضع كذا ) أو يقول: ( ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا ) . فلم يكن ترتيب الآيات والسور خاضعا للاجتهاد منه عليه الصلاة والسلام لأن جبريل u كان يعارض النبي r بالقرآن مرة في رمضان من كل عام، وفي العام الذي توفي فيه r عارضه به مرتين. فقد روى البخاري عن عائشة عن فاطمة عليها السلام أسر إلي النبي r ( أن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي ) .
المبحث الثاني
الجمع الثاني للقرآن في عهد أبي بكر الصديق t