فهرس الكتاب
فإذا نفينا عن المتأول إسم الفسوق، خرج من حكم قوله تعالى: { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } [الحجرات: 6] . سواء سمي فاسقا أو لم يسم، وصار حكمه حكم العدل في قبول خبره. والدليل أن الله تعالى سمى الفئة الباغية بالمؤمنة، في قوله تعالى: { وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [الحجرات: 9 ، 10] .
ولا شك أن أحدى الفئتين المتقاتلتين لابد أن تكون باغية، سواء كان بغيها بإجتهاد، أو بتأويل، وإن كانت مخطئة في ذلك وتظن نفسها على الحق، فسماهما الله تعالى حتى بعد البغي، بالأخوين: { فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم } . وفي الحديث الشريف: ( تقتل عمار الفئة الباغية ) ، ولم يقل تقتل عمار الفئة الكافرة. فالبغي لا يخرج المسلم من الإسلام.
ولقد أجاد العلامة إبن الوزير في رده على من جعل العلّة في قبول العدل بأنّ قبول خبره منصب تعظيم وتشريف, والفاسق المتأوّل غير أهل لذلك. فقال:
( وعندي أنّ العلّة هي ظنّ الصّدق ورجحانه, والدّليل على ذلك وجوه:
الوجه الأوّل: قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } [البقرة/282] , فلو كانت العلّة مجرّد العدالة, وكونها منصبًا شريفًا, مستحقًّا للتعظيم, مانعًا من قبول الرّدّ لما فيه من الاستهانة بالمردود والتهمة له, لكفى العدل الواحد, فإن قيل: هذا ينعكس عليكم, فإنّه لو كان العلّة الظّنّ لكفى الواحد أيضًا, فالجواب من وجوه: