فهرس الكتاب
وهذا مثل قوله لهم في السقيفة حين قالوا له: اقبل البيعة فأبى، وقال:
ولّوا الإمارة عمر أو أبا عبيدة ودعوني أكون لهم وزيرا، وكذا قال عند وفاته: ليتني يوم سقيفة بني ساعدة لم أقبل البيعة وجعلتها في عمر أو في أبي عبيدة، وكنت وزيرا لا أميرا يريد معينا، وكذا قال أمير المؤمنين حين مشوا إليه بعد عثمان وقالوا له: نوليك أميرا فابسط يدك نبايعك، فقال: انظروا غيري تبايعوه وأبايعه معكم، ودعوني أكون لكم وزيرا، فلأن أكون لكم وزيرا خيرا من أن أكون أميرا، يريد معينا.
ولكن هؤلاء القوم نظروا إلى من يقال له الوزير في زمن ملوكنا ممن يريد سلطان الزمان منه جباية الأموال، وترتيب أصحاب الضرائب والمواصير في ظلم الناس، وإقامة المستخرجين والمصادرين للناس في ديوان الاستدراك، وتمدحه الشعراء، ويجلس وحوله القيان وأصحاب الملاهي، وله القصور على الأنهار والبحار، كابن كلّس بمصر، وابن بقية ببغداد، وفلان وفلان بالعراق وفارس، فظنوا أن الوزارة التي ذكرها أبو بكر هكذا ينبغي أن تكون، أوَما علموا أن موسى سأل ربه فقال: «وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي» وقال رسول اللّه r: وزيراي من أهل السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر، ولو لا فساد الزمان وغلبة الجهل لما كان يجاب عن مثل هذا الكلام.