فهرس الكتاب
وسلوكه! ولذلك أسباب عديدة منها: أن طرق إرضائنا لدوافعنا الفطرية والمكتسبة ثبتت وأصبحت عادات نقوم بها دون أن ننتبه أو نفكر فيما يقوم وراءها من دوافع. فنحن نراعي العرف، ونحترم القوانين، وننتمي إلى جماعة، ونعبر عن آرائنا، ونتعاون مع الناس أو ننافسهم، ونعقد الصداقات.. كل أولئك دون شعور صريح بالدوافع التي تحملنا على هذه الأوجه المختلفة من النشاط. ومنها: أن أصول هذه الدوافع ذات تاريخ قديم لفه النسيان من عهد الطفولة فغطى على تلك الأصول. ومنها أن يكون الدافع ثقيلًا على نفس الفرد يجلب له القلق أو الخزي أو الذعر، أو يمس كرامته إن بدا له الدافع واضحًا في بؤرة شعوره؛ لذا فهو يعمى عن رؤيته، بل وينكره إنكارًا إن انكشف له. فمن العسير أو المحال أن تكاشف أُمًا تسرف في العناية بطفلها بأن الدافع الحقيقي لإسرافها هذا هو كراهية تحملها في أعماق نفسها لطفلها، وهي كراهية لا تشعر بها. ومن العسير أو المحال أيضًا أن نفاتح أحد الزهاد المسرفين بما يحمله في أعماق نفسه من دوافع شهوية خفية هي أساس إسرافه هذا. وكم من معتدٍ أثيم لا يفطن إلى أن ما يدفعه إلى العدوان شعور عميق بالنقص.
وللدكتور علي الوردي في هذا الموضوع كلام أراه مناسبًا لأن أضيفه هنا إذ يقول: إن الأبحاث النفسية الأخيرة تكاد تشير إلى أن الإنسان مسير في أغلب أعماله لا مخير، ففي أعماق النفس البشرية من العوامل الكامنة ما يكاد يشبه تلك الآلات المتنوعة المخفية في باطن الطيارة.
ولعلنا لا نغالي إذا قبلنا بأن العلماء اليوم يميلون إلى القول بـ (( الجبر ) )في موضوع الشخصية البشرية. ولكن مما يجدر ذكره بهذه المناسبة أن مفهوم الجبر الذي يقولون به يختلف عن ذلك المفهوم الذي اصطلح عليه علماء الكلام في الإسلام. فهو ليس جبرًا ميتافيزيقيًا أو غيبيًا. إنما هو بالأحرى جبر لا شعوري، قد انبعثت أسبابه من أعماق العقل الباطن.