فهرس الكتاب
وكلام القرآن الكريم حول «عالم البرزخ» يسير على نفس ذلك المنوال، فغالبًا ما يبِّين القرآن الكريم المصير النهائي للإنسان بعد الموت دون أن يذكر فترة عالم البرزخ، كما قال في شأن قوم نوح مثلًا: (( مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ) ) [نوح:25] ، والذي يبدو من ظاهره وكأنَّ قوم نوح الكفار أُدخلوا النار فور غرقهم. ولكننا نفهم تفصيل هذه الآية من آية أخرى تحدَّثت عن آل فرعون وهي قوله تعالى: (( فَوَقَاهُ الله سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) ) [غافر:45-46] ، والتي تدلّ على أن الأشقياء يعانون من الغصص والآلام قبل أن يدخلوا نار جهنم يوم القيامة.
يمكننا أن ندرك من مثل هذه الآيات أن هناك بعد الحياة الدنيوية نوعين من الجزاء: الجزاء البرزخيّ وجزاء يوم القيامة. الثاني يتمّ بصورة وافية وكاملة في الحياة الأخروية والأوَّل نوع من السرور واللذّة أو الكَدَر والآلام في فترة الحياة البرزخية التي هي في الواقع شبه حياة وليست حياة كاملة والتي أجملت معظم آيات القرآن ذكرها وأعرضت عن تفصيلها، لأن القرآن أراد في معظم الموارد أن يجسِّم مسألة المعاد أمام الإنسان إذْ إنَّه عندما سيُبعث في الآخرة سيشعر أن فترة عالم البرزخ كانت قصيرةً جدًا وحتَّى لو طالت فترة «عالم البرزخ» آلاف آلاف السنين فإنها ستبدو للإنسان بعد حياته الجديدة يوم القيامة وكأنها يوم أو بعض يوم أو ساعة من نهار شأن الإنسان في ذلك شأنه عندما ينام نومًا عميقًا بعد سفر طويل ويرى رؤيا مفرحة أو كابوسًا محزنًا تمرّ عليه فيه أحداث كثيرة ولكنه إذا استيقظ أحسّ كأنه نام لِتَوِّهِ!