فهرس الكتاب
لم يعرف التأريخ الإسلامي مؤسسة تعبدية سوى المسجد الجامع للمسلمين، وهو لم يكن فقط مكان للعبادة بل مؤسسة تشبه البرلمان، حيث يُبايع فيه الخليفة البيعة العامة، وتناقش فيه الكثير من المسائل الدينية والاقتصادية والاجتماعية، علاوة على التشاور بين الراعي والرعية، وتُتخذ فيه القرارات المهمة، وكذلك يحاسب فيها الحاكم من قبل رعيته حول طريقة حكمه علنًا ودون حياء أو خوف. فحرية الكلام مكفولة ومتاحة للجميع، والمحاججة أساس القناعة والرضوخ للرأي الأصوب. ويحدثنا التأريخ بأن بيعة الخلفاء العامة تُعقد في المساجد ويخطب فيها الخلفاء مبينين سياستهم القادمة حول الرعية وإدارة البلاد، لذلك شهدت المساجد عمليات اغتيال لعدد من الخلفاء والولاة.
أما المسميات اللاحقة كالحسينيات والخانقات والزوايا والتكايا والعتبات المقدسة فهي أسماء دخيلة على الإسلام وجدت لمنافسة المساجد، وتفريق المسلمين كمِلل ونِحل، وتشتيتهم من خلال تخصصها كمكان للعبادة يخص طائفة واحدة فقط وليس جميع المسلمين. وبمرور الزمن تحولت تلك العتبات إلى أماكن لطلب البركة وقضاء حاجات الناس وتقديم العطايا والنذور وقراءة الأدعية والأوراد وممارسة أعمال الشعوذة والدجل، وأماكن للشحاذة وكسب المال من العوام؛ إنها ليست بيوت لله بل للحسين والشيوخ.
في العقيدتين الصفوية والصوفية تعتبر زيارة اضرحة الأئمة والشيوخ مُستحبة؛ بل واجبة لغرض التبرك بها، وأنصارهما يتمسحون بالأضرحة إضافة إلى شد الخرق الخضراء، وإيقاد الشموع والبخور، ويتوسلون بالأموات ممن لا يرجى منهم خيرًا وحلًا لقضاء حوائجهم، كالزواج، وتوسيع الرزاق، والحصول على الأولاد، والشفاء من الأمراض، والشفاعة والبركة.