وروى ابن سعد في"الطبقات" (1/330ـ332) برقم (289) بسند صحيح إلى عمرو بن دينار أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة، فلما توفي علي بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرًا، وأعطاه معاوية عهدًا إن حَدَثَ به حَدَثٌ والحسن حي ليُسَمِيَنَّه وليَجعَلن هذا الأمر إليه، فلما توثق منه الحسن قال ابن جعفر: والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب بثوبي وقال: أقعد يا هناه اجلس، فجلست قال: إني قد رأيت رأيًا وأحب أن تتابعني عليه. قال: قلت: ما هو؟ قال: قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها، وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل، وعطلت الفروج (يعني: الثغور) فقال: ابن جعفر: جزاك الله عن أمة محمد خيرًا، فأنا معك على هذا الحديث. فقال الحسن: ادع لي الحسين. فبعث إلى حسين فأتاه فقال: أي أخي قد رأيت رأيًا وأحب أن تتابعني عليه. فقال: وما هو؟ قال: فقص عليه الذي قال لابن جعفر، قال الحسين أعيذك بالله أن تُكَذِّب عليًا في قبره، وتُصَدِّق معاوية. فقال الحسن: والله ما أردت أمرًا قط إلا خالفتني إلى غيره، والله لقد هممت أن أقذفك في بيت، فأُطَيّنه عليك حتى أقضي أمري. قال: فلما رأى الحسين غضبه قال: أنت أكبر ولد علي، وأنت خليفته، وأمرنا لأمرك تَبَع، فافعل ما بدا لك. فقام الحسن فقال: يا أيها الناس إني كنت أكره الناس لأول هذا الحديث، وأنا أصلحت آخره لذي حق أدّيت إليه حقه أحق به مني، أو حق جُدّْت به لصلاح أمة محمد، وإن الله قد ولَّاك يا معاوية هذا الحديث لخير يعلمه عندك، أو لشر يعلمه فيك {وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [الأنبياء: 111] ثم نزل.