فهرس الكتاب
وعندما وصل جيش علي (ع) إلى البصرة وبدأت المفاوضات بين الطرفين، لم يُذكَر هذا الحديث حينها! ولم يقل علي (ع) ولا عمار رضي الله عنه.. ولا غيرهما:انظروا! هذا عمار بن ياسر معنا, فإياكم أن تقتلوه، فتحكموا على أنفسكم بأنكم الفئة الباغية, فكأن عليًا (ع) وعمارًا رضي الله عنه وباقي المسلمين كانوا في غيبوبة عن هذا الحديث المفيد جدًا لدعم موقف علي (ع) ، ثم انتبهوا فجأة عندما قُتل عمار (ع) في صفين!!ومن الذي ذكر هذا الحديث حينها؟ ليس علي (ع) ولا عمار (ع) ولا واحد من جيش أمير المؤمنين! بل عبد الله بن عمرو بن العاص! الذي كان في الجهة الثانية، جهة معاوية!!
ثم بعدها، حصلت قصة التحكيم, ومختصرها: أن معاوية رفع المصاحف وطلب تحكيم كتاب الله بين الطرفين -بمصطلحات زماننا هذا: طلب وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات-، وقيل:إن عليًا (ع) رفض ذلك؛ لأنه على وشك الانتصار، ولكن بعض جيشه أجبره على القبول بعرض معاوية.
هنا يستوقفنا أمران:
الأول: عدم قدرة علي (ع) على تطويع (أو ترويض) جيشه؛ لكي يطيع أوامره بدون نقاش,عكس علاقة معاوية بجيشه المطيع دون قيدٍ أو شرط, وهذا يدخلنا في جدال قديم: أيهما أفضل لتولي السلطة، الأكثر فقهًا وزهدًا أم الأكثر سياسة ودهاءً؟!!
الأمر الثاني: هو أن عليًا (ع) لم يستفد من حادثة مقتل عمار!! فلم يقل للناس: ألا ترون أنهم الفئة الباغية التي قتلت عمارًا، فعلينا أن نقاتلهم حتى تفيء إلى أمر الله!!
لا أدري سبب إصرار علي (ع) على تجاهل هذا الحديث، وعدم الاستفادة منه لتدعيم موقفه سياسيًا, فالتحكيم بين علي ومعاوية كان يمكن أن ينتهي في خمس دقائق لصالح (ع) لو ذُكر هذا الحديث.