فهرس الكتاب
المصنف رحمه الله تعالى يذكر جملة من مسائل الجاهلية يكون بينها شيء من الشبه الدقيق، من ضمن ذلك ما ذكر في هاتين المسألتين، من خصال أهل الجاهلية أنهم يتركون الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء أنفة وتكبرا أنْ يكونوا مع هؤلاء الضعفاء في حال واحد، هذا هو الحق؛ يعلمونه لكن يقولون: مادام هؤلاء قد سبقونا إليه فلن نخالطهم، أو أنْ يستدلوا على بطلان ما جاء به الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأنْ الضعفاء سبقوا الكبراء، فالمسألة الأولى فيها بيان أنهم يتركون الدخول في الحق إذا سبقهم إليه الضعفاء تكبرا واغترارا، بمجرد أنْ يكون الضعفاء قد قبلوا الحق يتكبرون ويأنفون فلا يدخلون في الحق ابتداء، الأمر الذي بعد ذلك أنهم يبدؤون يدافعون فيقولون: الدليل على بطلان الحق أنِّا معاشر الكبراء لم نسبق إليه، مِنْ سبق إليه؟ سبق إليه هؤلاء الضعفاء، ولو كان خيرا وحقا لكنا نحن السابقين ولم يسبق إليه هؤلاء الضعفاء، فالمسألتان متقاربتان لكن لا شك أن كل واحدة منهما تختلف عن الأخرى، مورد المسألتين أنّ الضعفاء في العموم الأغلب هم الذين يسبقون إلى الحق، ترتب على هذا أنّ أهل التكبر والاغترار يتركون الدخول في الحق لمجرد أنَّ الضعفاء سبقوهم إليه، ثم يركبون على ذلك الاستدلال على صحة تركهم هم للحق وبطلان الحق بأن هذا لو كان من الحق لما سبق إليه الضعفاء والمساكين هؤلاء، قوله تعالى {وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} سبب نزولها كما روى أحمد رحمه الله - وهو أيضا في مسلم مختصرا - سبب نزولها أنّ سعدا وابن مسعود وصهيبا وعمارا والمقداد وبلال رضي الله عنهم قد قالت قريشا للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: إنّا لا نرضى أن نكون اتباعا لهؤلاء فاطردهم عنك، يريدون أن لا يكون هؤلاء الضعفاء مع الكبراء كأبي جهل وأمية وأضرابهم، يقول فدخل رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم من ذلك ما شاء الله، كأنه من شدة حرصه صلّى الله عليه وسلّم على أنْ يؤمن