... وحاول محمد المظفر أن يقرب بين الأقوال المنسوبة للصادق المثبتة للبداء والنافية له بقول:"والصحيح في ذلك أن نقول كما قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد: { يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ } (الرعد:39) ، ومعنى ذلك أنه تعالى قد يظهر شيئًا على لسان نبيه أو وليه أو في ظاهر الحال لمصلحة تقتضي ذلك الإظهار، ثم يمحوه، فيكون غير ما قد ظهر أولًا، مع سبق علمه تعالى بذلك، كما في قصة إسماعيل لمّا رأى أبوه إبراهيم أنه يذبحه، فيكون معنى قول الإمام عليه السلام أنه ما ظهر لله سبحانه أمر في شيء كما ظهر له في إسماعيل ولده إذ اخترمه قبله ليعلم الناس أنه ليس بإمام، وقد كان ظاهر الحال أنه الإمام بعده لأنه أكبر ولده" (74) .
... وممن دافع عن عقيدة البداء على فضل الله الحسيني - وهو من الاثنا عشرية - مبينًا أن البداء الذي يعني تغيير الرأي وتبديله بحسب المصلحة، وظهور الشيء له بعد خفائه لا يكون إلاّ للإنسان، وأن الله منزه عن ذلك فيقول:"فعقيدتنا به أن البداء يكون في الإنسان، لأنه يبدو له رأي ثم يبدو له تغييره، فيعدل عن الأول لأنه يرى المصلحة بالعدول عنه، وهذا محال على الله لأنه جل جلاله عالم بحال الشيء رأسًا، ولو رأى تغييره أو المصلحة في تغييره يكون من النقص في علمه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا" (75) .
... وبعد أن يذكر أقوال أئمتهم حول البداء يحاول إنكار البداء الذي بمعنى الجهل فيقول:"ولا يلزم محذور نسبة الجهل لله تعالى، إنما يلزم ذلك إذا كان البداء بمعنى إظهار الشيء له جل جلاله بعدما كان مخفيًا عنه وهذا محال، ويلزم منه النقص في علمه تعالى ... وخلاصة القول إن البداء بمعنى ظهور الشيء بعد خفائه محال. وأما البداء بمعنى أنه أبان لخلقه ما كان مخفيًا عنهم لا محظور فيه وهو المطلوب والصحيح من معنى البداء" (76) .