فهرس الكتاب
-قلت: ومما يدل على تثبّت معاوية وتمسّكه بالحديث، ما رواه البخاري (3500 و7139) عن محمد بن جُبير بن مُطعِم، أنه كان يحدّث: بَلَغَ معاويةَ وهو عنده في وفدٍ من قريش؛ أنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّثُ أنه سيكون مَلِكٌ من قحطان، فغضبَ معاوية، فقام فأثنى على الله بما هو أهلُه، ثم قال:
أما بعد، فإنه بلغني أن رجالا منكم يتحدّثون أحاديثَ ليست في كتاب الله تعالى، ولا تُؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأولئكَ جُهّالُكم، فإياكُم والأماني التي تُضلُّ أهلَها، فإني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذا الأمرَ في قُريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهِهِ، ما أقاموا الدِّين".
-ومن ذلك ما رواه البخاري (7361) عن معاوية رضي الله عنه أنه ذكر كعب الأحبار فقال:"إن كان لَمِن أصدق هؤلاء المحدِّثين الذينَ يُحَدِّثون عن بني إسرائيل، وإن كان مع ذلك لَنَبلُوَ عليه الكذب" [27] .
-وروى صفوان بن عمرو، عن أزهر بن عبد الله، عن أبي عامر الهوزني، عن أبي عامر عبد الله بن لُحَيّ، قال: حَجَجْنا مع معاوية بن أبي سفيان، فلما قدمنا مكة أُخبر بقاصٍ يَقُصُّ على أهل مكة مولىً لبني مخزوم، فأرسل إليه معاوية، فقال: أُمِرْتَ بهذا القَصَص؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن تقُصَّ بغير إذن؟ قال: نَنْشُرُ عِلمًا علَّمَناه الله. فقال معاوية: لو كنتُ تقدَّمتُ إليك قبل مُدَّتي هذه لقطعتُ منك طائفًا.
ثم قام حتى صلى الظهر بمكة، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن أهلَ الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين مِلَّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين مِلَّة يعني الأهواء- وكُلُّها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة".
وقال:"إنه سيخرجُ من أمتي أقوامٌ تَتَجارى بهمُ الأهواءُ كما يتجارى الكَلَبُ بصاحِبِه، فلا يَبقَى مِنه عِرق ولا مفصلٌ إلا دخله".