الصفحة 126 من 990

النقطة الخامسة: إن القرآن الكريم قد عمل على تثبيت شخصية النبي (ص) وتأديبه بأدب الله، في ما يريد الله له أن يأخذ به من الكمال الروحي والأخلاقي والعملي، ممّا يلقي إليه الله علمه، مما قد يختلف عن الخط المألوف عند الناس. ولعلَّ هذه المسألة تدخل في هذه الدائرة، لأن المعروف هو الاهتمام بالأغنياء لقدرتهم على التأثير في المجتمع بطريقةٍ فاعلةٍ كبيرةٍ، بينما لا يملك المستضعفون الفقراء مثل ذلك، فتكون النظرة على هذا الأساس نظرةً رساليةً، لكنها قد تترك تأثيرًا سلبيًا على النظرة العامة لسلوك الرسول، لأنهم قد يفكرون بالجانب السلبي في القضية، وهو ملاحظة جانب الغنى في الاهتمام بالأغنياء من جهة النظرة الذاتية إلى قيمة الغنى في المجتمع، فتأتي الآيات لتثير الموضوع بهذه الطريقة لإبعاد السلوك عن الصورة السلبية من حيث الشكل، حتى لو لم تكن سلبية من حيث المضمون، مع ملاحظة مصلحة الدعوة في ذلك كله، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28[ فإن هذه الآية توحي بأن الله يريد إخراج النبي (ص) من الأجواء الضاغطة في العرف الاجتماعي، التي يمكن أن تترك تأثيرها الخفيّ على نفسه بطريقةٍ لا شعورية، فيلتفت إلى الأغنياء رغبةً في الامتيازات الحاصلة عندهم. وربّما كان ذلك على طريقة «إيّاك أعني واسمعي يا جارة» ليكون الخطاب للأمة من خلال النبي (ص) ، ليكون ذلك أكثر فاعليةً وتأثيرًا إيحائيًا في أنفسهم، لأن النبي (ص) إذا كان يخاطب بهذه الطريقة في احتمالات الانحراف، فكيف إذا كان الخطاب يراد به غيره. (إنتهى)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت