نحمده ونستعينه ونستغفره، ونصلي على خيرته من خلقه صاحب المقام المحمود أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ورضوان الله تعالى على السابقين الأولين (( من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم ) )التوبة/ 100 .
أما بعد
فإنه لما شاءت الإرادة الإلهية الخالدة للبشرية أن تبلغ رشدها العقلي وكمالها الإنساني بعث فيها محمد النبي العربي الأمي صلى الله عليه وآلة وسلم برسالة هي خاتمة النداء الإلهي المعصوم للإنسانية ، وحمّل العرب الفاتحين من أهله وصحبه وأنصاره وأتباعه ومسؤولية حمل الرسالة الخالدة ، وتأدية الأمانة، ونشر ألوية الحق والتبشير بالعقيدة الإسلامية الحقة ، رجاء نقل الناس جميعا من عباد إلى عبادة الله الواحد القهار ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وسماحته ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، فآمن الناس بعقيدة الإسلام ورسالة القرآن طواعية وأختيارا ، وصاروا يدخلون في دين الله أفواجا ، ورضيت الأمم بقيادة الأمة العربية التي اختارها الله واجتباها لحمل هذا الدين و (( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) )الأنعام/124 ، وصاروا يذكرون لهذه الأمة سبقها في الإسلام وفهمها له والدعوة إليه وفق منهجية متميزة تعتمد الحكمة والموعظة الحسنة ، فسقطت القواطع المواقع النفسية والتاريخية بين هذه الأقوام وبين حملة الرسالة , وصارت تفخر بالانتساب إلى لغتهم وهيأتهم وأخلاقهم ومثلهم وعقيدتهم، إظهارا لدينها واعترافا منها بالفضل والسبق، وإلا الفرس كما سيأتي بيانه مفصلا .
فقد عملوا جاهدين على الطعن في هذه العقيدة لعلمهم بمنزلتها في الإسلام ، وحاجة العباد إليها أكثر من أي شئ آخر فإنه لا حياةللقوب، ولا نعيم ، ولاطمأنية إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وقاطرها وتعبده حق عباته .