إن هذا النص يوضح معرفة الشيخ للمجسمة والمشبهة من كافة المذاهب، ويعنينا بصفة خاصة معرفته للكرامية بأنهم من المجسمة، وإنهم كلهم حنفية، أي من أصحاب الرأي ولبسوا من أهل الأثر.
أما عن رأيه في هؤلاء فلا يخرج عن موقفه العام من الفرق كلها، وهو اتخاذ الموقف الوسط، حيث يؤيد الجوانب التي يراها متفقة مع أصول الكتاب والسنة، والعكس صحيح، أي ذم ما يراه مخالفًا. وعلى هذا، فالكرامية عنده يأتون ضمن مثبتة الصفات ولذلك فهو يلحقهم بالكلابية والأشاعرة في كثير من مؤلفاته، لأنهم ينتمون لدائرة أهل الإثبات في مقابل النفاة من الجهمية والمعتزلة، ولكنه في تناوله للمجسمة، يعدهم من المجسمة كالهشامية وغيرهم.
وربما كان مرد الاعتقاد بأن ابن تيمية يميل إلى الكرامية هو ما يفهم من ردوده على أبى المعالي الجويني عند حديثه عن الكرامية [5] ، ولكنه في الحقيقة يعارض الكرامية في عدة مواضع، سنوضحها أثناء عرضنا للمشكلة الرئيسية التي تثار عند وصفه بالتجسيم وهي القول بحلول الحوادث في ذات الله عز وجل، وهي من الأقوال التي ابتدعها المتكلمون لتفسير الأفعال الاختيارية.
إن ابن تيمية اختار قول مثبتة الصفات والأفعال ويحدد أسماءهم"كأبي البركات صاحب المعتبر وأمثاله من المتفلسفة، وهو قول جمهور أئمة الحديث أمثال أبي إسماعيل الأنصاري وابن عبد البر وأصحاب أحمد كالخلال وصاحبه أبي حامد وداود والأصفهاني وأتباعه" [6] .
وهو حين يعرض الآراء، يحاول أن يصل إلى الصحيح منها بمطابقتها بشيوخ السلف- وهذه الطريقة هي إحدى سمات منهجه التي يفصح عنها في عدة مواضع من مصنفاته، إذ يجتهد في البحث والتنقيب عن رأي السلف لكي يتخذ من إجماعهم حجية إزاء المخالفين من ذلك قوله:"والله يعلم أني بعد البحث التام، ومطابقة ما أمكن من كلام السلف، ما رأيت كلام أحد منهم يدل - لا نصًا ولا ظاهرًا ولا بالقرائن - على نفي الصفات الخبرية [7] ."