الصفحة 35 من 149

أ ــ تجزؤ الجزء إلى غير نهاية، وما يتعلق به من القول بالطفرة .. وهذا رأي في دقيق الكلام ولطيفه خالف فيه هشامٌ ومن نحا نحوه ــ من تلاميذه وإبراهيم النظام المعتزلي ــ القائلين بنظرية «الجوهر الفرد» أو «الجزء الذي لا يتجزأ» التي صارت موضع القبول لدى جمهور متكلمي الاثنا عشرية .. قال الشيخ المفيد في أوائل المقالات: «الجواهر عندي هي الأجزاء التي تتألف منها الأجسام، ولا يجوز على كل واحد في نفسه الانقسام، وعلى هذا القول أهل التوحيد كافة؛ سوى شذاذ من أهل الاعتزال، ويخالف فيه الملحدون، ومن المنتمين إلى الموحدين إبراهيم بن سيار النظام» [1] .

(1) - المفيد: أوائل المقالات ـ ص 72، 73. ولعل تعميم المفيد وغيره من متكلمي الشيعة والسنة أيضا في نسبة القول بالجوهر الفرد إلى الجمهور كان سببَ تردد بعض المعاصرين من الاثنا عشرية في نسبة ذلك الرأي لهشام بن الحكم .. كما فعل الشيخ عبد الله نعمة: فلاسفة الشيعة ـ ص 640. لكن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ـ 1/ 284: 286 يُكَذِّبُ نسبةَ جُمهورِ الموحدين إلى القول بالجوهر الفرد أو الجزء الذي لا يتجزأ، ويصرح بأن الذين نفوه من أئمة المتكلمين ليسوا دون من أثبته، بل الأئمة فيهم أكثر من الأئمة في أولئك المثبتين. وهو يجعل هشام بن الحكم رأس نفاة الجوهر الفرد قُبَالَة أبي الهذيل العلاف المعتزلي أول المتكلمين في إثباته من المسلمين..وشيخ الإسلام ابن تيمية لا يقول بعد ذلك بأن الجزء يمكن أن ينقسم إلى ما لا نهاية له بقدرة الله كما فعل الإمام ابن حزم في الفصل ـ 5/ 58: 64، ولكنه ينصر مذهبا ثالثا يقول أصحابه: إن الأجسام إذا تصغرت أجزاؤها فإنها تستحيل، كما هو موجود في أجزاء الماء إذا تصغر فإنه يستحيل هواء أو ترابا؛ إذ وجود مالا يتناهى بين حدين متناهيين مكابرة، وسواء كان بالفعل أو بالقوة، كما أن وجود موجود لا يتميز جانب له عن جانب مكابرة؛ بل الأجسام تستحيل مع قبول الانقسام، ولا يقبل شيء منها انقساما لا يتناهى، كما أنها إذا كثرت وعظمت تنتهي إلى حد تقف عنده ولا تذهب إلى أبعاد لا تتناهى.

وإني لأحسب أن الرأي الثالث قد يكون هو الأقرب إلى معطيات العلم المعاصر الذي عرف الذرة التي تمثل واحدا من عشرة ملايين جزء من مساحة المليمتر الواحد، واستطاع أن يفصلها بوسائل كيميائية، وعرف مكوناتها، وكيف تتحول ذرة عنصر الألومنيوم إلى ذرة عنصر السليسيوم، وذرة النيتروجين إلى أكسجين بتغيير الوزن الذري، ثم استطاع شق نواة الذرة في بعض العناصر، فاستحالت بعد الانشقاق لا إلى مادة أخرى؛ بل إلى طاقة هائلة لم تزل الحضارة المعاصرة تحاول تطوير إمكانات الإفادة منها في مناشط الحياة المختلفة. وما زالت الكلمة التي أطلقها الفيزيائي المصري الكبير الدكتور محمد محمود غالي في عام 1949م صادقةً حتى اليوم؛ إذ قال في وصف مستقبل الإنسان بعد انشقاق نواة الذرة: «إما مدنية فوق التصور نصبح فيها كالملائكة نستطيع ما لا نستطيعه اليوم، وإما مفاجأة محزنة قد ينمحي معها الكوكب الوديع الذي نحيا عليه» .. صدّر بهذه المقولة كتابه: ماذا تخبئه نواة الذرة للإنسان. ط مكتبة النهضة المصرية ـ القاهرة، مصر 1949م. وزعم أن الطاقة هي أصل المادة، وأن الإنسان قد استطاع بالعلم أن يعود بالمادة سيرتها الأولى .. وراجع مقالاته في الأعداد 1، 2، 3 من مجلة: رسالة الإسلام. إصدار دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة 1949م.

لكن هل الطاقة هي أصل المادة حقا، أو هما صنوان قُهِرَ كُلُّ واحد منهما على الإمساك بتلابيب الآخر ليوجد به أو معه؟ وهل نستطيع أن نحول الطاقة إلى مادة معينة يمكن أن تُختار عناصرُها، أو هي عبارة عن القوة التي تجمع بين مكونات الذرة وبمقدارها يتحدد الوزن الذري الذي تتباين به عناصر المادة التي تبدأ بالهيدروجين، وما زال العلم يتابع اكتشاف سلسلتها التي بلغت في منتصف عام 2001م مائة وستة عشر عنصرا (كما نشر علي عبد الرازق تحت عنوان: «علماء روس يؤكدون اكتشاف عنصر كيميائي جديد» بجريدة الشرق الأوسط الصادرة من لندن 7/ 6/ 2001م) ؟ وما مصدر الطاقة الأول، وما حقيقتها؟ وهل استحالت النواةُ المنشقة إلى طاقة بالفعل، أو أن الانشقاق قد فَكَّ عِقالَ الطاقة التي كانت تربط بين الجسيمات المكونة للذرة في صورة فلك عالمي مصغر؟

عندما يُقَدِّمُ العلمُ أجوبة يقينية مفصلة عن ذلك وأمثاله يكون قد ألقى الضوء بصورة علمية معملية على كثير من النظريات الفلسفية والكلامية؛ مثل النظريات المتعلقة بتصور إيجاد العالم وفنائه، والحشر الجسماني ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت